ما لم يُحكَ عن بني مزار».. «معتصم» يعيد اكتشاف ميشيل ميلاد
كتبت: نسرين هشام
تمرّ على الشاشة أدوار كثيرة دون أن تترك أثرًا، وقليلٌ منها يترك سؤالًا يتجاوز العمل نفسه، لماذا تأخّر ظهور هذا الممثل في هذه المنطقة؟ هذا هو السؤال الذي يفرضه أداء ميشيل ميلاد لشخصية «معتصم»، أحد أبرز ما قدّمته حكاية «ما لم يُحكَ عن بني مزار».
مغامرة خارج الصورة المألوفة
منذ الإعلان عن مشاركته، بدا أن ميشيل ميلاد يقترب من منطقة بعيدة عن الصورة الراسخة له في ذهن الجمهور، بوصفه ممثلًا كوميديًا. وقد أقرّ هو قبل العرض بأن الابتعاد عن الكوميديا كان تجربة مخيفة، رغم خلفيته المسرحية في الأدوار التراجيدية. غير أن اللافت لم يكن نجاحه في أداء دور درامي، وإنما الكيفية التي اختارها لتقديمه.
تضع شخصية «معتصم» الممثل أمام اختبار عسير، إنسان يعيش صراعًا دائمًا مع ما يراه ويسمعه ويصدّقه، ويتأرجح بين وعيه بمحيطه وانسحابه إلى عالمه الداخلي وضلالاته ( او زي ما بيقوله ملبوس ) وهي شخصية لا تُختزل في «حالة جنون» .

وتكمن أولى نقاط قوة الأداء في رفضه القوالب المعتادة لتصوير الاضطراب النفسي على الشاشة. لا صراخ متواصل، ولا حركات مفتعلة، ولا مبالغة انفعالية تُعلن للمشاهد أن أمامه شخصية مضطربة. اعتمد ميشيل بدلًا من ذلك على الاقتصاد في الأداء، وعلى انتقالات متدرجة بين الحالات، وعلى حدٍّ فاصل رفيع بين لحظة يكون فيها معتصم حاضرًا مدركًا لما حوله، وأخرى يغيب فيها في عالم لا يراه أحد سواه. وفي هذه المساحة الرمادية تحديدًا اكتسبت الشخصية مصداقيتها.
فأصعب ما في تجسيد شخصية مضطربة ليس بلوغ الذروة الانفعالية، بل الإمساك بمنطقها الداخلي. الشخصية لا ترى نفسها بالضرورة كما يراها الآخرون، وهذا ما أدركه الأداء. لم تُعامَل ضلالات معتصم كعنصر رعب مضاف، بل مُنحت حضورًا حقيقيًا داخل عالمه؛ فحين يخاطب الأصوات والصور التي تسكن رأسه، يفعل ذلك كمن يواجه أشخاصًا من لحم ودم، يناقشهم ويرد عليهم ويغضب منهم، ويخضع لهم حينًا ويقاومهم حينًا آخر.

من أدقّ ما أنجزه ميشيل هنا بناء علاقة تمثيلية مع طرف غير موجود أمام الكاميرا. يفتقد الممثل في هذه الحالة الشريك الذي يمنحه ردّ فعل، ومع ذلك مطلوب منه أن يقنع المشاهد بوجود طرف آخر في المشهد. وقد تحقق ذلك عبر أدوات متضافرة ،النظرة، وتوقيت الرد، وتبدّل نبرة الصوت، وحركة الجسد، وفوق ذلك إيمان كامل بما تعيشه الشخصية في لحظتها.
تأتي ذروة الأداء، في تقديري، في مشهد المواجهة التي تتحول إلى عراك. يُقرأ المشهد على مستويين؛ ففي ظاهره نحن أمام مواجهة عنيفة، بينما يتحول في عمقه إلى تجسيد مادي للصراع الذي يخوضه الإنسان مع نفسه. ما يدور داخل رأس معتصم يخرج إلى العلن، فيصبح جسدًا يقاتل جسدًا، بينما هما في الحقيقة وجهان لمعركة واحدة.
بهذا المعنى، يتجاوز المشهد الحالة النفسية لمعتصم ليقترب من صراع إنساني أوسع؛ بين الخير والشر الكامنين داخل الإنسان، ومع الوسواس الداخلي والقدرة على مقاومته، إلى جانب الضغوط الخارجية التي تزيد من ارتباكه واشتباكه مع العالم. ويصبح الأمر أكثر التباسًا مع الأصوات المحيطة به، خصوصًا جملة الست البركة: «اسمع كلامه علشان ترتاح»، التي تجعل الصوت الخارجي جزءًا من الصراع .

وتكمن قوة المشهد في أداء ميشيل ،إذ لا يعتمد على الانفعال وحده، وإنما يستخدم الحركة والنظرات وتغير الإيقاع ليعكس انتقال معتصم بين المقاومة والاستسلام. لذلك لا يبدو العراك مجرد مشهد حركي، بل لحظة تكشف طبيعة الشخصية وتضع صراعها النفسي في قلب الحدث الدرامي.
المخرج احمد نادر جلال لم يعتمد في المشهد على أداء ميشيل وحده، بل على تكامله مع اللغة البصرية. وقوفه داخل النفق، والضوء المسلّط عليه، والعتمة المحيطة، وزاوية الكادر التي تمنح الصورة عمقًا، كلها عناصر جعلت الشخصية تبدو محاصَرة في فضاء أكبر منها. لم يعد النفق مجرد مكان، بل صار تجسيدًا لحالة معتصم نفسها ،إنسان في بقعة ضيقة من الضوء، تحيط به عتمة واسعة. وبهذا يصير الضوء والظلام امتدادًا للحالة النفسية، لا مجرد خيار جمالي. وهنا يبرز دور المخرج أحمد نادر جلال، الذي ترك للأداء مساحة ليُرى ويُفهم بصريًا، بدل أن يُشرح بالحوار.
بعض الأدوار تكون مولدًت جديدًا للممثل وتعيد تعريفه، و«معتصم» يبدو واحدًا من هذه الأدوار في مشوار ميشيل ميلاد. فالمسألة ليست في انتقاله من الكوميديا إلى الدراما، وإنما في أن الشخصية أزاحت القالب الذي اعتاد الجمهور عليه ، وكشفت عن ممثل يمتلك أدوات ومساحات أبعد بكثير مما أتيح له أن يقدمه سابقًا.
لذلك يصعب اختزال ما قدمه في كونه «ممثلًا كوميديًا نجح في دور درامي»؛ فهذه الصياغة تحصر التجربة في الانتقال بين نوعين من الأدوار، بينما ما حدث أعمق من ذلك.

«معتصم» أعاد تعريف ميشيل ميلاد أمام الجمهور، وكشف عن ممثل يمتلك قدرة على الدخول إلى مناطق نفسية أكثر تعقيدًا. ولهذا «معتصم» أكثر من مجرد دور مختلف في مسيرة ميشيل ميلاد، إنه دور أعاد اكتشافه. منحنا فرصة لرؤية تلك المساحة من موهبته التي كانت موجودة طوال الوقت .
وأخيرًا، يُحسب لصنّاع العمل، وعلى رأسهم المنتج مجدي الهواري، اختيار ميشيل ميلاد لدور ” معتصم “، فهو اختيار برة الصندوق ، لكنه لم يكن مجرد مفاجأة في casting، بل جاء في خدمة الشخصية نفسها. ودور المخرج أحمد نادر جلال لأنه أتاح لميشيل المساحة لأداء الشخصية بعيدًا عن صورته السابقة، بينما منحته كتابة هاني سرحان شخصية ذات تفاصيل نفسية ومساحات متعددة، سمحت له بالاشتغال عليها من الداخل والخارج.







