البحر الأحمر ليس غنيمة دولية.. معركة مصر لمنع اختطاف الجغرافيا ومعركة السيادة في مواجهة عسكرة الجغرافيا
الجزء الأول لأحدث دراسة عن البحر الأحمر

كتب: فريق التحرير
في كلمته خلال الجلسة العامة للقمة الروسية الإفريقية الثالثة بموسكو، في 29 أكتوبر 2026، وضع فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي يده على واحدة من أخطر معادلات الأمن الإقليمي، حين أكد رفض مصر أي تحركات تستغل هشاشة الأوضاع الإقليمية لعسكرة البحر الأحمر أو فرض وجود عسكري لدول غير مشاطئة له على سواحله. وجاء هذا الموقف في سياق التأكيد على احترام سيادة دول الإقليم ورفض التدخل في شؤونها الداخلية.
ولا تنبع أهمية هذا التصريح من كونه موقفًا سياسيًا مصريًا فحسب، وإنما من دلالته الاستراتيجية الأوسع احترمًا للقانون الدولى ؛ فالبحر الأحمر ليس مساحة مائية تفصل بين ضفتين، بل شريان يصل بين المحيط الهندي والبحر المتوسط، وتلتقي عنده مصالح التجارة العالمية وأمن الطاقة وحركة الملاحة وحسابات القوى الإقليمية والدولية.
إن خطورة البحار الاستراتيجية لا تكمن في موقعها الجغرافي وحده، وإنما في قابلية هذا الموقع للتحول إلى أداة نفوذ, وحين تتراجع قدرة بعض دول الإقليم على حماية استقرارها، تظهر قوى من خارجه لتقديم نفسها بوصفها حامية للملاحة أو ضامنة للأمن، ثم قد يتحول الوجود الذي بدأ تحت عنوان الحماية إلى وسيلة لتثبيت النفوذ وإعادة تشكيل موازين القوة.
وفى أحدث دراسة وطنية للمفكر والفقيه المصرى المستشار الدكتور محمد عبد الوهاب خفاجى نائب رئيس مجلس الدولة بعنوان : ” البحر الأحمر ليس فراغًا استراتيجيًا — من حق الشواطئ إلى هندسة الأمن الإقليمي– ومن جغرافيا العبور إلى جغرافيا النفوذ — دراسة فقهية استراتيجية لحماية البحر الأحمر من عسكرة الجغرافيا وصراعات القوى الكبرى في ضوء القانون الدولي والأمن الإقليمي ومخاطر عسكرة الممرات البحرية ” وهى دراسة لبناء رؤية فقهية متكاملة لأمن البحر الأحمر، تجمع بين القانون الدولي، والأمن القومي، والجغرافيا السياسية، وحقوق الدول المشاطئة، ومخاطر تحويل الممرات البحرية إلى ساحات للصراع الدولي. بحسبان البحر الأحمر ليس مجرد ممر للسفن، وإنما يُعد مجالًا تتقاطع فيه السيادة والأمن والتجارة الدولية ومصالح مصر الاستراتيجية. فالدولة التي تدرك قيمة موقعها لا تكتفي بحماية شواطئها، وإنما تسهم في صياغة القواعد التي تحكم أمن الإقليم بأكمله.
وتسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عن السؤال الجوهري , كيف يمكن حماية البحر الأحمر باعتباره مجالًا للأمن المشترك، دون السماح بتحويله إلى ساحة مفتوحة للتنافس العسكري الدولي؟ من خلال الجمع بين الاعتبار الجغرافي والمبدأ القانوني والرؤية الاستراتيجية، وصولًا إلى تصور فقهي يجعل أمن البحر الأحمر مسؤولية تعاونية لدوله المشاطئة، ويمنع في الوقت ذاته استغلال اضطرابات الإقليم لفرض ترتيبات تمس سيادته أو تهدد استقراره.
ونعرض فى الجزء الأول من هذه الدراسة المهمة فى تسع نقاط :
أولًا: البحر الأحمر.. من ممر للملاحة إلى مركز لإعادة تشكيل النفوذ
تقول دراسة الدكتور محمد خفاجى ” تمنح الجغرافيا البحر الأحمر أهمية استثنائية؛ فهو يربط المحيط الهندي بالبحر
المتوسط عبر باب المندب وخليج عدن جنوبًا وقناة السويس شمالًا، بما يجعله جزءًا من منظومة الممرات البحرية المؤثرة في حركة التجارة العالمية. وتتجاوز أهميته مجرد عبور السفن؛ إذ تتصل سلامته بأمن سلاسل الإمداد، واستقرار أسواق الطاقة، وقدرة الدول على الوصول إلى الأسواق الدولية، فضلًا عن المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للدول المطلة عليه, غير أن هذه الأهمية نفسها تجعل البحر الأحمر هدفًا للتنافس. فكلما ازدادت القيمة الاقتصادية للممر البحري، ازدادت رغبة القوى الكبرى في ضمان النفاذ إليه والتأثير في البيئة الأمنية المحيطة به”
وتضيف الدراسة ” وهنا ينبغي التمييز بين أمرين هما حرية الملاحة الدولية، وهي مصلحة مشروعة يتعين صونها وفقًا للقانون الدولي، ومحاولة تحويل حماية الملاحة إلى ذريعة لإقامة نفوذ عسكري دائم أو فرض ترتيبات استراتيجية على دول الإقليم. فالأولى تخدم المجتمع الدولي، أما الثانية فقد تخلق مصادر جديدة للتوتر، خصوصًا إذا ارتبطت بتنافس القواعد العسكرية أو الصراعات بالوكالة أو السعي إلى السيطرة على المواقع البحرية الحيوية. والقاعدة الفقهية الاستراتيجية الحاكمة هي أن قيمة الممر البحري لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لانتزاع القرار الأمني من الدول التي تشاطئه.”
ثانيًا: عسكرة البحر الأحمر.. حين يتحول علاج الاضطراب إلى مصدر له
وتوضح الدراسة ” لا تعني عسكرة البحر الأحمر مجرد وجود سفن حربية أو تعاون دفاعي بين الدول؛ فالمياه الدولية قد تشهد وجودًا بحريًا مشروعًا، كما قد تقتضي بعض الظروف عمليات محددة لحماية الملاحة ومواجهة القرصنة أو الأخطار الأمنية. ”
وتشير الدراسة ” إن موطن الخطر هو تحول الوجود العسكري من إجراء محدد الغرض والمدة إلى بنية نفوذ مستدامة، تتنافس القوى من خلالها على المواقع والموانئ ومناطق التأثير، وتصبح الأزمات المحلية فرصًا لتوسيع الحضور العسكري الخارجي .وتظهر هذه المخاطر في ثلاث صور رئيسية هى :
الصورة الأولى توظيف الأزمات الداخلية. إذ قد يؤدي ضعف مؤسسات الدولة أو اندلاع النزاعات المسلحة إلى فتح المجال أمام تدخلات خارجية تتجاوز معالجة الأزمة إلى التأثير في القرار الوطني.
الصورة الثانية التنافس على المواقع الساحلية. حيث تكتسب الموانئ والجزر والمضايق قيمة استراتيجية قد تتجاوز وظيفتها التجارية، فتتحول إلى أدوات للضغط السياسي والعسكري.
الصورة الثالثة تعدد مراكز القوة المسلحة. فكلما اتسعت دائرة التنافس العسكري، ازدادت احتمالات سوء التقدير والتصعيد، وأصبح أمن الملاحة رهينًا بصراعات لا تتحكم الدول المشاطئة وحدها في مساراتها.”
ونؤكد الدراسة ” وبناء على ذلك , فإن عسكرة البحر الأحمر قد تنشأ في بعض الحالات تحت شعار تأمينه، لكنها قد تؤدي عمليًا إلى تعقيد البيئة الأمنية التي يُفترض أن تعالجها.ولا يعني ذلك أن كل وجود عسكري أجنبي غير مشروع أو أن كل تعاون دفاعي يمثل تهديدًا؛ وإنما يقتضي الأمر تقييم كل حالة وفق أساسها القانوني، وموافقة الدولة المعنية، وطبيعة المهمة، ونطاقها، ومدى احترامها لسيادة الدول والتزامات القانون الدولي.”
ثالثًا: الدول المشاطئة.. أصحاب المصلحة الأولى في أمن البحر الأحمر
وتذكر الدراسة ” تتصل الدول المشاطئة بالبحر الأحمر اتصالًا مباشرًا لا يتوافر للدول البعيدة عنه بالدرجة نفسها؛ فأمنه يؤثر في سواحلها وموانئها واقتصاداتها ومصالحها الدفاعية، كما تتحمل هذه الدول جانبًا أساسيًا من نتائج أي اضطراب يصيب الملاحة أو الاستقرار الإقليمي. ومن هنا تتأسس أولوية الدور الذي ينبغي أن تضطلع به هذه الدول في صياغة ترتيبات الأمن البحري، لا باعتبارها مالكة للبحر أو صاحبة سلطة مطلقة على جميع مياهه، وإنما باعتبارها الطرف الأكثر اتصالًا بأمن الإقليم والأكثر تعرضًا لتبعات اختلاله.”
وتشير ” ويقتضي ذلك بناء إطار للتشاور والتنسيق بين الدول المطلة على البحر الأحمر، يشمل تبادل المعلومات البحرية، والإنذار المبكر، ومكافحة التهريب والقرصنة، وحماية الموانئ والمنشآت الحيوية، والاستجابة للمخاطر البيئية والإنسانية. كما يتعين تعزيز الثقة المتبادلة، وتسوية الخلافات بالوسائل السلمية، وتجنب السياسات التي تدفع دولة إلى البحث عن حماية خارجية على حساب أمن جيرانها. فأمن البحر الأحمر لا يُبنى بتهميش دوله، وإنما بتمكينها من أداء دورها؛ ولا يُحمى بإشعال التنافس على شواطئه، وإنما بتقليص دوافع هذا التنافس.”
رابعًا: القانون الدولي.. بين سيادة الدولة وحرية الملاحة
وتركز الدراسة ” يستدعي الموقف المصري قراءة قانونية دقيقة، لأن قوة الموقف الاستراتيجي تزداد حين يستند إلى قواعد القانون الدولي دون تحميلها ما لا تحتمل. فوفقًا للمادة الثانية من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، تمتد سيادة الدولة الساحلية إلى بحرها الإقليمي، بما يشمل الحيز الجوي فوقه وقاع البحر وباطن أرضه، مع ممارسة هذه السيادة وفقًا للاتفاقية وغيرها من قواعد القانون الدولي. وتحدد المادة الثالثة حق الدولة في تعيين عرض بحرها الإقليمي بما لا يتجاوز اثني عشر ميلًا بحريًا وفقًا للقواعد المقررة.”
وتضيف ” وفي المقابل، تقرر المادة السابعة عشرة حق السفن التابعة لجميع الدول الساحلية وغير الساحلية، في المرور البريء عبر البحر الإقليمي، بينما تحدد المادة التاسعة عشرة الحالات التي يفقد فيها المرور صفته البريئة، ومنها بعض الأنشطة التي تمس أمن الدولة الساحلية أو تنطوي على تهديد أو استخدام للقوة. وتكشف هذه الأحكام عن توازن دقيق , فلا يجوز اختزال البحر في سيادة مطلقة للدول الساحلية على جميع مياهه، كما لا يجوز اتخاذ حرية الملاحة ذريعة لتجاهل سيادة الدول وحقوقها المقررة قانونًا.ومن الضروري، بناء على ذلك، التمييز بين الوجود العسكري داخل إقليم دولة ساحلية أو مياهها الخاضعة لسيادتها، والوجود القائم على اتفاق أو موافقة صحيحة، وحركة السفن الحربية في المياه التي تخضع لأنظمة قانونية مختلفة.”
وتشير الدراسة ” لا تقرر اتفاقية قانون البحار قاعدة عامة تحظر على الدول غير المشاطئة إقامة منشآت عسكرية في دولة ساحلية بموافقتها؛ كما لا تمنح تلك الدول حقًا مستقلًا في فرض وجود عسكري على إقليم دولة أخرى. ومن ثم، فإن جوهر الموقف المصري ليس اختراع حظر قانوني شامل على كل وجود عسكري أجنبي، وإنما رفض فرض هذا الوجود أو توظيف هشاشة الأوضاع لانتزاع موطئ قدم استراتيجي يمس سيادة دول الإقليم أو يهدد أمنها. وهذه الدقة ليست تفصيلًا فنيًا، وإنما هي أساس تحويل الموقف السياسي إلى حجة قانونية راسخة يمكن الدفاع عنها أمام المؤسسات الدولية.”
خامسًا: مصر والبحر الأحمر.. من حماية الممر إلى حماية معادلة الأمن– الموقف الرئاسي رؤية عظيمة تربط أمن مصر بأمن محيطها الإفريقي وحماية المصالح الوطنية باحترام سيادة الدول المجاورة
توضح الدراسة ” تحتل مصر موقعًا استراتيجيًا متميزًا بحكم اتصال البحر الأحمر بقناة السويس، التي تمثل حلقة أساسية في الربط البحري بين الشرق والغرب. ولا تنحصر المصلحة المصرية في استمرار حركة السفن؛ إذ تمتد إلى حماية أمن الحدود والموانئ، وضمان استقرار البيئة الإقليمية، وصون حرية الملاحة، ومنع تحول الممرات البحرية إلى أدوات للضغط السياسي أو العسكري. ويكشف الموقف الرئاسي عن رؤية عظيمة تربط أمن مصر بأمن محيطها الإفريقي، وترفض الفصل بين حماية المصالح الوطنية واحترام سيادة الدول المجاورة. ”
وتمضى الدراسة ” وهنا تتجلى أهمية الدور المصري في دعم التعاون بين الدول المشاطئة، وتوسيع نطاق التشاور السياسي، وتعزيز قدرات الإنذار المبكر، والمساهمة في بناء ترتيبات إقليمية تمنع التصعيد. كما يتطلب الأمر توظيف الدبلوماسية المصرية لتأكيد أن حماية الملاحة الدولية مسؤولية مشتركة، وأن التعاون الدولي ينبغي أن يستند إلى احترام سيادة الدول المعنية، لا إلى فرض ترتيبات أحادية عليها. فالقوة الاستراتيجية لمصر لا تقاس فقط بقدرتها على حماية مصالحها المباشرة، وإنما أيضًا بقدرتها على التأثير في القواعد التي تحكم أمن الممرات المتصلة بها.”
سادسًا: القرن الإفريقي.. الحلقة التي لا يجوز فصلها عن أمن البحر الأحمر
تقول الدراسة ” لا يمكن فهم معادلة الأمن في البحر الأحمر بمعزل عن التطورات السياسية والأمنية في القرن الإفريقي؛ فالاضطرابات الداخلية، والنزاعات الحدودية، والتنافس على المنافذ البحرية، كلها عوامل قد تتجاوز آثارها حدود الدول المعنية لتنعكس على أمن الملاحة والتوازن الإقليمي. وتزداد الخطورة حين تتداخل الاحتياجات الاقتصادية المشروعة لبعض الدول مع طموحات استراتيجية تتصل بالوصول إلى البحر أو إقامة ترتيبات أمنية جديدة.”
وتضيف ” من الضروري هنا التمييز بين حق الدول غير الساحلية في الوصول إلى البحر وفقًا للقانون الدولي والاتفاقات ذات الصلة، وبين اعتبار هذا الحق مبررًا لاستخدام القوة أو فرض وجود عسكري على أراضي دولة ساحلية. فالوصول إلى البحر يمكن أن يتحقق بالتعاون والاتفاقات الاقتصادية والنقل والموانئ والخدمات اللوجستية، دون أن يستلزم بالضرورة تغيير الحدود أو فرض ترتيبات عسكرية تمس سيادة الآخرين. والمقاربة الأكثر استدامة هي تحويل التنافس على المنافذ البحرية إلى فرص للتكامل الاقتصادي، بحيث تجد الدول في التعاون وسيلة لتأمين احتياجاتها، بدلًا من البحث عن مكاسب استراتيجية قصيرة الأجل قد تفضي إلى أزمات طويلة الأمد.”
سابعًا: نحو ميثاق إقليمي لأمن البحر الأحمر وخمسة مبادئ حاكمة
وتقترح الدراسة ” إن مواجهة مخاطر عسكرة البحر الأحمر تستدعي الانتقال من التعبير عن القلق والرفض إلى بناء آليات عملية للتعاون. ويمكن أن يشكل ميثاق إقليمي لأمن البحر الأحمر إطارًا مناسبًا لهذه الغاية، إذا قام على المشاركة الطوعية واحترام القانون الدولي ومصالح جميع الدول المعنية. ويُقترح أن يستند هذا الميثاق إلى خمسة مبادئ:
- مبدأ الملكية الإقليمية للأمن , إعطاء الدول المشاطئة الدور المحوري في التشاور بشأن التهديدات التي تمس أمن البحر الأحمر، مع احترام حقوق جميع الدول وفقًا للقانون الدولي.
- مبدأ عدم فرض الأمر الواقع , رفض استخدام الأزمات أو ضعف المؤسسات الوطنية لفرض قواعد عسكرية أو ترتيبات استراتيجية دون أساس قانوني صحيح وموافقة الدولة المعنية.
3.مبدأ حماية الملاحة الدولية, تعزيز التعاون في مواجهة القرصنة والتهديدات البحرية وتأمين الممرات، مع احترام الأنظمة القانونية المطبقة على مختلف المناطق البحرية.
- مبدأ الشفافية العسكرية, تشجيع تبادل المعلومات والإخطار بالأنشطة البحرية التي قد تؤدي إلى سوء التقدير أو التصعيد، وفق ترتيبات يتفق عليها الأطراف المعنيون.
5.مبدأ تسوية النزاعات سلميًا, اعتماد الحوار والوساطة والآليات القانونية لتسوية الخلافات، وعدم تحويل التنافس الاقتصادي أو الخلافات السياسية إلى مواجهات عسكرية.”
وتستكمل الدراسة فى اقتراحها ” يمكن ترجمة هذه المبادئ إلى آليات عملية، منها إنشاء منتدى دوري للدول المشاطئة، وتطوير قنوات اتصال لتبادل المعلومات المتعلقة بالمخاطر البحرية، وتنظيم تدريبات مشتركة في مجالات الإنقاذ ومكافحة التلوث والقرصنة، وإنشاء آلية للتشاور عند وقوع أزمات تهدد الملاحة. ولا يشترط نجاح هذه المبادرة إقصاء القوى الدولية؛ إذ يمكن للدول الخارجية أن تسهم في حماية الملاحة والتعاون الاقتصادي ضمن ترتيبات واضحة تحترم سيادة دول الإقليم، ولا تحول التعاون إلى وسيلة للهيمنة.”
ثامنًا: من أمن البحر إلى أمن التنمية.. المعادلة التي ينبغي أن تنتصر
تذكر الدراسة ” لا يستقر البحر الأحمر بالوسائل العسكرية وحدها؛ فالأمن المستدام يرتبط أيضًا بالتنمية الاقتصادية، وتحسين أوضاع المجتمعات الساحلية، وتطوير الموانئ والبنية التحتية، وخلق فرص العمل، وتعزيز قدرة الدول على إدارة مواردها ومؤسساتها. وكلما ازدادت قدرة الدول المشاطئة على تحقيق التنمية والاستقرار، تقلصت المساحات التي يمكن أن تستغلها القوى الخارجية لتوسيع نفوذها تحت ضغط الأزمات.”
وتشير ” من هنا تبرز أهمية إقامة مشروعات اقتصادية مشتركة في النقل والخدمات اللوجستية والطاقة والاقتصاد الأزرق، وتطوير آليات للتعاون بين الموانئ، وربط الأمن البحري بالتنمية المستدامة. إن الاستثمار في استقرار الدول ليس عملًا اقتصاديًا منفصلًا عن الأمن القومي، وإنما هو أحد أهم أدوات الوقاية من الأزمات التي تستدعي تدخلات عسكرية متكررة. فالدولة القوية بمؤسساتها واقتصادها وشراكاتها الإقليمية أقدر على حماية قرارها الوطني، كما أن الإقليم الذي تتكامل مصالح دوله يصبح أقل قابلية للتحول إلى ساحة مفتوحة لصراع الآخرين.”
تاسعًا : البحر الأحمر.. لمن يصنع الأمن لا لمن يفرض النفوذ
تؤكد الدراسة ” تكشف الرؤية المصرية عن حقيقة استراتيجية , أن أمن البحر الأحمر لا ينبغي أن يترك رهينة للتنافس الدولي أو لتداعيات الأزمات التي تعصف ببعض دول الإقليم. فالموقع الجغرافي يمنح الدول المشاطئة مصلحة مباشرة في أمنه، لكنه لا يعفيها من واجب التعاون، ولا ينتقص من الحقوق المقررة لبقية الدول وفقًا للقانون الدولي. كما أن أهمية الملاحة الدولية لا تمنح القوى الخارجية تفويضًا مفتوحًا لفرض ترتيبات عسكرية على الدول الساحلية. والتحدي الحقيقي هو بناء معادلة توازن بين حرية الملاحة، وسيادة الدول، والتعاون الأمني، والتنمية الاقتصادية؛ مع منع استغلال الهشاشة السياسية لتوسيع النفوذ العسكري أو تعميق الانقسامات الإقليمية.”
وتختتم الدراسة المهمة فى جزئها الأول ” إن مصر، بما لها من موقع جغرافي ومصالح استراتيجية وخبرة دبلوماسية، تستطيع أن تسهم في تحويل هذا التصور إلى مشروع إقليمي للتعاون، يقوم على التشاور والاحترام المتبادل وصيانة المصالح المشتركة. فالفرق بين من يرى البحر الأحمر ممرًا للعبور، ومن يدركه معادلة للأمن القومي، هو الفرق بين إدارة الجغرافيا وصناعة الاستراتيجية. والرسالة التي ينبغي أن تستقر في الوعي الإقليمي والدولي هي أن حماية البحر الأحمر لا تكون بتكثير القواعد العسكرية على شواطئه، وإنما ببناء نظام للتعاون يمنع نشوب الصراعات، ويحترم سيادة الدول، ويصون الملاحة الدولية. إن البحر الأحمر لا يحتاج إلى من يتنافس على امتلاك مفاتيحه، بقدر ما يحتاج إلى دول تتعاون حتى لا يتحول مفتاح التجارة العالمية إلى مفتاح لأزمات العالم.”







