التهجير.. عندما تتحول الحرب إلى معركة على الإنسان والأرض
قراءة استراتيجية في تطورات الأوضاع بالأراضي الفلسطينية المحتلة وتحديات حماية المدنيين
بقلم: لواء/ د. أحمد زغلول مهران
رئيس الهيئة الاستشارية العليا لمركز «رع» للدراسات الاستراتيجية
رئيس مركز دعم الإبداع والابتكار والوعي المجتمعي
عرف التاريخ حروبًا كثيرة اختلفت أسبابها وتعددت أطرافها، لكنها اشتركت جميعًا في حقيقة واحدة، وهي أن المدنيين كانوا دائمًا الأكثر تضررًا، فمع تطور وسائل القتال لم تعد الحروب تُحسم فقط بحجم ما يحققه كل طرف من مكاسب عسكرية، وإنما أصبحت آثارها الإنسانية والسياسية والاقتصادية معيارًا رئيسيًا للحكم على نتائجها، وفي النزاعات الحديثة لم يعد مفهوم الانتصار العسكري كافيًا لقياس النجاح، إذ قد تنتهي العمليات العسكرية بينما تستمر آثارها على المجتمعات لعقود طويلة، من خلال النزوح وتدمير البنية التحتية وتعطل التعليم وتراجع الخدمات الصحية وتفاقم الأزمات الاقتصادية واتساع فجوة انعدام الثقة بين الشعوب، وتأتي التطورات الراهنة في الأراضي الفلسطينية المحتلة لتجسد هذا المشهد المعقد، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع الأبعاد الإنسانية والقانونية والسياسية بصورة غير مسبوقة، فمنذ اندلاع الجولة الحالية من المواجهات شهد قطاع غزة عمليات عسكرية واسعة النطاق، في الوقت الذي تصاعدت فيه حدة التوتر في الضفة الغربية، بما في ذلك اعتداءات ارتكبها بعض المستوطنين ضد مدنيين فلسطينيين وممتلكاتهم، وفق الواقع وما وثقته الأمم المتحدة وعدد من المنظمات الدولية، ولا تسعى هذه المقالة إلى قراءة المشهد بعيون استراتيجية تستند إلى الوقائع المعلنة وإلى المبادئ التي أرساها القانون الدولي الإنساني، مع التركيز على سؤال جوهري يفرض نفسه اليوم: هل أصبح التهجير، نتيجة مباشرة للعمليات العسكرية ولتدهور الأوضاع الأمنية والإنسانية، أحد أخطر التحديات التي تواجه الأراضي الفلسطينية المحتلة؟
أولًا: الحروب الحديثة.. عندما يصبح الإنسان هو ساحة الصراع
شهد العالم خلال العقود الثلاثة الأخيرة تغيرًا جذريًا في طبيعة النزاعات المسلحة، فلم تعد الجيوش تتنافس فقط على السيطرة على الأرض، بل أصبح الصراع يمتد إلى الاقتصاد والإعلام والبنية التحتية والفضاء الإلكتروني والرأي العام وقدرة المجتمعات على الصمود، وفي هذا السياق أصبح المدنيون في قلب الأزمة، ليس لأنهم أطراف في القتال، وإنما لأن حياتهم اليومية تتأثر بصورة مباشرة بنتائج العمليات العسكرية، سواء من خلال الاستهداف والقتل أو النزوح أو فقدان المأوى أو تراجع الخدمات الأساسية أو الانقطاع عن التعليم والعمل والرعاية الصحية، وتشير الخبرات الدولية في عدد من النزاعات المعاصرة إلى أن استمرار الأزمات الإنسانية لفترات طويلة قد يترك آثارًا عميقة تتجاوز حدود زمن الحرب، بما يؤثر في فرص التعافي وإعادة الإعمار والاستقرار، ومن هنا فإن تقييم أي نزاع لا ينبغي أن يقتصر على قراءة التطورات العسكرية، بل يجب أن يشمل أيضًا دراسة تأثيره في الإنسان باعتباره محور الأمن الحقيقي لأي مجتمع.
ثانيًا: غزة.. أزمة إنسانية تتطلب استجابة تتجاوز الحسابات العسكرية
تعرض قطاع غزة لعمليات عسكرية واسعة أدت إلى دمار شامل في المناطق السكنية والمرافق المدنية ونزوح أعداد كبيرة من السكان داخل القطاع، وسط تحديات كبيرة في توفير الغذاء والمياه والرعاية الصحية والخدمات الأساسية، وقد دعت الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر وعدد من المنظمات الإنسانية إلى تعزيز حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية بصورة آمنة ومنتظمة، محذرة من تفاقم الأوضاع الإنسانية إذا استمرت العمليات العسكرية وتعذر وصول الإغاثة، وفي المقابل يدعي الاحتلال الإسرائيلي أن عملياته تستهدف حركة حماس وبنيتها العسكرية، وأنها تستند إلى اعتبارات أمنية، مع تأكيدها أن الحد من الأضرار التي تلحق بالمدنيين يمثل جزءًا من قواعد الاشتباك التي تعلن الالتزام بها، وهذا مخالف للواقع الذي لمسه العالم أجمع، ومن هذا تبقى الحقيقة التي لا خلاف عليها هي أن المدنيين هم الأكثر تأثرًا باستمرار النزاع، وأن تخفيف معاناتهم يجب أن يمثل أولوية إنسانية وقانونية بصرف النظر عن المواقف السياسية أو العسكرية، إن استمرار الضغط على القطاع الصحي وتضرر شبكات المياه والكهرباء وصعوبة توفير الاحتياجات الأساسية كلها عوامل تجعل من البعد الإنساني عنصرًا لا يقل أهمية عن أي تطور ميداني، بل إنه قد يكون العامل الأكثر تأثيرًا في مستقبل الاستقرار.
ثالثًا: الضفة الغربية…تصاعد التوتر في ظل اعتداءات موثقة ومخاوف من اتساع دائرة العنف
رغم أن الاهتمام الإعلامي يتركز غالبًا على قطاع غزة، فإن الضفة الغربية تشهد بدورها تطورات لا تقل خطورة، إذ وثقت الأمم المتحدة وعدد من المنظمات الحقوقية الدولية تصاعدًا في أعمال العنف، بما في ذلك اعتداءات ارتكبها بعض المستوطنين ضد مدنيين فلسطينيين وممتلكاتهم في عدد من المناطق، وشملت هذه الوقائع، وفق التقارير المنشورة، الاعتداء على أفراد وإحراق مركبات ومنازل وإتلاف أراضٍ زراعية والاستيلاء عليها، وهي أحداث أثارت مخاوف من انعكاساتها على حياة السكان وعلى مستوى الاستقرار المحلي، ومن منظور استراتيجي فإن استمرار أعمال العنف ضد المدنيين، أيًا كان مرتكبها، يزيد من تعقيد المشهد ويؤثر في البيئة الأمنية ويحد من فرص بناء الثقة اللازمة لأي جهود تهدف إلى خفض التصعيد أو استئناف المسار السياسي، كما أن استمرار حالة التوتر في الضفة الغربية يحمل مخاطر تتجاوز حدودها الجغرافية، إذ قد يسهم في توسيع دائرة عدم الاستقرار ويؤثر في البيئة الإقليمية بصورة أوسع.
رابعًا: القانون الدولي.. حماية المدنيين مسؤولية لا تقبل الاختيار
أرست اتفاقيات جنيف والقواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني مجموعة من المبادئ التي تهدف إلى الحد من آثار النزاعات المسلحة على السكان المدنيين، ومن أبرز هذه المبادئ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتقليل الأضرار، واحترام مبدأ التناسب، وحماية المنشآت المدنية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية عندما تسمح الظروف بذلك، وتنطبق هذه القواعد على جميع أطراف النزاع، إذ لا يقتصر الالتزام بها على طرف دون آخر، ولكن يراعى أن يكون الالتزام بالضوابط والقوانين على الطرف الأقوى المثير للمشاكل، والذي يعتدي دون حابل أو نابل، أن حماية المدنيين ليست خيارًا سياسيًا، بل التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا، وأن احترام هذه القواعد يسهم في الحد من المعاناة الإنسانية ويحافظ على الحد الأدنى من الضوابط التي تنظم سلوك الأطراف أثناء النزاعات المسلحة.
خامسًا: هل يقود النزوح إلى تغيير ديموجرافي؟.. سؤال يفرض نفسه
من أخطر التداعيات التي تفرزها النزاعات الممتدة أنها لا تقتصر على الخسائر البشرية والمادية، بل قد تمتد إلى إحداث تغيرات ديموجرافية تؤثر في طبيعة المجتمعات وتركيبتها السكانية، ولعل هذا ما يجعل قضية النزوح والتهجير من أكثر القضايا حساسية في القانون الدولي وفي الدراسات الاستراتيجية على السواء، وفي الحالة الفلسطينية برزت مخاوف متزايدة نتيجة اتساع نطاق النزوح داخل قطاع غزة، بالتزامن مع استمرار التوتر في الضفة الغربية وما تشهده بعض المناطق من اعتداءات وأحداث عنف أثرت في حياة السكان، ورغم أن الجزم بحدوث تغيير ديموجرافي دائم يحتاج إلى معطيات ووقائع تتبلور مع مرور الوقت، فإن مجرد استمرار النزوح لفترات طويلة يثير تساؤلات مشروعة حول آثاره المستقبلية، وتؤكد الخبرات الدولية أن النزوح المطول قد يؤدي إلى تغيرات اجتماعية واقتصادية يصعب معالجتها لاحقًا حتى وإن توقفت العمليات العسكرية، ومن هنا فإن ضمان عودة النازحين إلى مناطقهم متى سمحت الظروف الأمنية بذلك وتأمين مقومات الحياة الأساسية يمثلان عنصرين مهمين في الحد من الآثار بعيدة المدى للنزاعات، ولا ينبغي النظر إلى هذه القضية باعتبارها شأنًا فلسطينيًا فحسب، بل بوصفها اختبارًا لقدرة المجتمع الدولي على حماية المبادئ التي أقرها القانون الدولي الإنساني، والتي تقوم على صون كرامة الإنسان وعدم تعريضه لآثار النزاع بما يتجاوز الضرورات العسكرية المشروعة.
سادسًا: المجتمع الدولي.. بين قوة القرارات وضعف التنفيذ
خلال العقود الماضية أُنشئت منظومة قانونية دولية متكاملة لحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، ووضعت اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية إطارًا واضحًا للحقوق والالتزامات، كما صدرت عشرات القرارات الدولية التي تؤكد ضرورة احترام القانون الدولي الإنساني وحماية السكان المدنيين، غير أن التطبيق العملي لهذه المبادئ يظل مرهونًا بالإرادة السياسية للدول وبفاعلية المؤسسات الدولية وبقدرة المجتمع الدولي على الانتقال من مرحلة إصدار البيانات إلى مرحلة اتخاذ إجراءات عملية، وقد أظهرت الأزمة الحالية أن الفجوة بين النصوص القانونية والواقع الميداني لا تزال قائمة، وهو ما يفرض تحديًا كبيرًا أمام النظام الدولي، ليس فقط في هذه الأزمة، بل في جميع النزاعات المسلحة المعاصرة. إن الحفاظ على مصداقية القانون الدولي لا يتحقق بازدواجية المعايير، وإنما بتطبيق المبادئ ذاتها على جميع الأطراف، وبما يحقق العدالة ويحمي المدنيين دون تمييز.
سابعًا: التداعيات الإقليمية.. أزمة تتجاوز حدود الجغرافيا
لا يمكن النظر إلى ما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة باعتباره أزمة محلية معزولة، فالتطورات الجارية تنعكس بصورة مباشرة على الأمن الإقليمي والاستقرار السياسي والاقتصاد وحركة التجارة والجهود الدبلوماسية في الشرق الأوسط، كما أن استمرار التوتر يزيد من احتمالات اتساع دائرة المواجهات ويؤثر في جهود بناء الثقة ويعقد مسارات التسوية السياسية، وفي الوقت نفسه يفرض أعباء إضافية على الدول والمنظمات الإنسانية التي تعمل على توفير المساعدات والإغاثة، وتؤكد التجارب أن الصراعات الممتدة لا تبقى محصورة داخل حدودها الجغرافية، بل تمتد آثارها إلى البيئة الإقليمية والدولية، سواء من خلال الأزمات الإنسانية أو الضغوط الاقتصادية أو التحديات الأمنية.
ثامنًا: دروس مستفادة…الإنسان هو معيار نجاح أي سياسة
تكشف التجارب الدولية أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل يعتمد على القدرة على حماية الإنسان وصون كرامته وتهيئة بيئة تسمح بإعادة بناء الثقة واستعادة الحياة الطبيعية، كما تؤكد هذه التجارب أن احترام القانون الدولي ليس التزامًا أخلاقيًا فحسب، بل هو عنصر أساسي في منع اتساع النزاعات وتقليل آثارها الإنسانية، وتبرز أهمية الاستثمار في الحلول السياسية والدبلوماسية باعتبارها الطريق الأكثر استدامة لتقليل معاناة المدنيين وتحقيق الأمن للجميع ومنع تحول الأزمات إلى صراعات طويلة الأمد، وأهمية أن يكون القانون الدولي نافذًا على الجميع، ليس على الضعيف وحسب. يجب مراجعة العدالة الدولية من المنظمات الدولية حتى نرى العالم الذي نتمناه يملؤه التسامح والحرية والاحترام.
توصيات استراتيجية
في ضوء المعطيات الراهنة يمكن طرح مجموعة من التوصيات التي قد تسهم في الحد من التداعيات الإنسانية وتعزيز فرص الاستقرار:
١- تكثيف الجهود الدولية لضمان حماية المدنيين مع الالتزام الكامل بقواعد القانون الدولي الإنساني.
٢- ضمان وصول المساعدات الإنسانية والإغاثية إلى السكان المحتاجين بصورة آمنة ومنتظمة ودعم استمرارية الخدمات الصحية والتعليمية.
٣- تعزيز الجهود الرامية إلى الحد من أعمال العنف ضد المدنيين في جميع مناطق النزاع، وخصوصًا بالأراضي المحتلة بفلسطين، بما في ذلك الاعتداءات التي وثقتها الجهات الدولية في غزة والضفة الغربية، ومساءلة المسؤولين عنها وفق الإجراءات القانونية الواجبة.
٤- دعم آليات التوثيق والتحقيق المستقلة في الانتهاكات المزعومة بما يسهم في ترسيخ مبدأ المساءلة واحترام سيادة القانون.
٥- تجنب أي إجراءات أحادية قد تؤدي إلى تغيير دائم في الأوضاع القانونية أو الديموجرافية للأراضي الفلسطينية، والعمل على معالجة القضايا الجوهرية عبر الوسائل السلمية.
٦- تشجيع المسارات السياسية والدبلوماسية التي تسهم في خفض التصعيد وتوفير بيئة أكثر استقرارًا، مع احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان وتفعيل تنفيذ القرارات الملزمة دون تحيز لطرف على الآخر.
العدالة هي الطريق الأقصر إلى السلام
تكشف الأحداث الجارية أن الحروب مهما بلغت شدتها لا يمكن أن تكون بديلًا عن الحلول السياسية المستدامة، وقد تحقق العمليات العسكرية أهدافًا تكتيكية في بعض المراحل، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة جذور النزاعات أو بناء سلام دائم، وتؤكد الخبرة التاريخية أن حماية المدنيين واحترام القانون الدولي والالتزام بمبادئ العدالة تمثل الركائز الأساسية لأي تسوية قابلة للحياة، وكلما تأخر العمل على هذه المبادئ ازدادت الكلفة الإنسانية وتعقدت فرص الوصول إلى استقرار حقيقي. إن ما تشهده الأراضي الفلسطينية المحتلة اليوم ليس مجرد اختبار لقدرة الأطراف على إدارة الصراع، بل هو أيضًا اختبار لفاعلية النظام الدولي في حماية الإنسان عندما يكون أكثر الفئات عرضة للخطر. وستظل قيمة أي جهد سياسي أو قانوني تُقاس بقدرته على صون حياة المدنيين وحماية كرامتهم وتهيئة الظروف التي تسمح بسلام عادل ومستدام يحقق الأمن والاستقرار ويضع الإنسان في قلب أي رؤية للمستقبل.
في النهاية، أطرح سؤالًا لا يمكن تجاهله: هل ما يجري من إجراءات تعسفية في الأراضي الفلسطينية المحتلة يمثل تمهيدًا لنزوح أهل غزة كمرحلة أولى، ثم يليه نزوح لأبناء الضفة الغربية، ثم يليهم نزوح ثالث أكثر خطورة، وهو نزوح عرب ٤٨ والأقليات العربية بالأراضي المحتلة؟ وأين المجتمع الدولي من هذا المشهد؟






