«لعبة جهنم».. من حكاية تُروى إلى عالم نراه ونعيشه
كتبت : إسراء البواردي
في «لعبة جهنم» لا تبدو التجربة مجرد نقل لحكاية صادمة إلى الشاشة، وإنما محاولة كاملة لإعادة خلقها بصريًا ودراميًا، وتحويل ما عرفه الجمهور من خلال حكاية رواها صانع المحتوى سامح سند إلى عالم له وجوهه وأماكنه وأصواته وموسيقاه وتفاصيله. الفارق بين الحكي والدراما هنا ليس في الوسيلة فقط، وإنما في طبيعة التجربة نفسها؛ ففي الحكي كان المستمع يبني صور الشخصيات والأماكن داخل خياله، بينما تمنح الدراما لهذه الصور شكلًا حقيقيًا، وتضع المشاهد أمام أشخاص يمكنه أن يرى الخوف في عيونهم، والاضطراب في ملامحهم، والتغير الذي يطرأ عليهم مع تصاعد الأحداث.
وتزداد صعوبة التجربة لأن المادة نفسها شديدة القسوة، فهي تدور في عالم الدارك ويب وتجارة الأعضاء والجريمة، وهي موضوعات يمكن بسهولة أن تتحول إلى استعراض للصدمة. لكن قيمة «لعبة جهنم» تظهر في محاولة تحويل الصدمة إلى دراما لها شخصيات ومشاعر ودوافع، بحيث لا يكون السؤال فقط «ماذا حدث؟»، وإنما «من هم هؤلاء الأشخاص الذين وصلوا إلى هذه النقطة؟».

من هذه الزاوية، تأتي شخصية سليم باعتبارها واحدة من أكثر الشخصيات تعقيدًا وإزعاجًا في العمل. سليم ليس مجرد شاب عبقري تورط في عالم مظلم، وإنما شخصية سايكو لديها علاقة مرضية بالألم والدم، وتصل إلى درجة التلذذ بصوت الألم نفسه. هذه التفاصيل تجعل الشر في الشخصية داخليًا، وليس مجرد نتيجة للظروف المحيطة بها. وهنا كان أداء عمر تحديًا حقيقيًا؛ لأنه مطالب بتقديم شخصية مضطربة من دون الوقوع في فخ المبالغة أو الصورة النمطية للسايكو. ويحسب له أنه يعتمد على التفاصيل أكثر من الاستعراض، وعلى النظرات والصمت وطريقة الحركة ونبرة الصوت، ليجعل المشاهد يشعر بأن هناك شيئًا غير طبيعي خلف الهدوء الظاهري للشخصية. عمر لا يقول لنا إن سليم مريض نفسيًا، وإنما يجعلنا نكتشف ذلك من خلال حضوره.

وعلى النقيض تمامًا يأتي الشيخ علاء، الذي يقدمه فراج، كشخصية تحاول أن تصنع لنفسها صورة دينية، بينما تحركها في الداخل رغبات أكثر مادية: الطمع والجشع والرغبة في المال. لكن علاء ليس شخصية شريرة بخط مستقيم، وهذه نقطة مهمة في الكتابة وفي أداء فراج؛ فهو شخص متلون، يتبدل بحسب الموقف، ويمكن لظروفه أن تفسر بعض انكساراته، لكنها لا تلغي مسؤوليته عن اختياراته. هذه المنطقة الرمادية تجعل الشخصية أكثر واقعية وأقل كرتونية، ويستفيد فراج منها في أداء لا يعتمد على رفع الصوت أو إعلان الشر، وإنما على التناقض بين ما تقوله الشخصية وما تخفيه. أحيانًا يكون هدوء علاء أكثر إثارة للقلق من أي انفعال مباشر، لأن المشاهد يعرف أن خلف هذا الهدوء حسابات أخرى.
وفي الطرف الآخر يقف حسن، الذي يمثل الوجه الإنساني للحكاية. طيب وحنين، حساس تجاه الألم، وقادر على الخوف حتى على قطة، وهذه التفاصيل الصغيرة تحديدًا هي التي تجعل إنسانيته مقنعة. العمل لا يحتاج إلى أن يكرر لنا أن حسن «طيب»، لأن تصرفاته تفعل ذلك. وفي عالم تسيطر عليه رغبات مريضة وجشع وخوف، تصبح عنايته بكائن ضعيف مثل القطة تفصيلة ذات قيمة درامية كبيرة؛ لأنها تضع أمامنا شخصية ما زالت ترى الألم وتتعاطف معه، في الوقت الذي فقد فيه آخرون هذه القدرة.

وهنا تظهر قوة الكتابة في جعل الشخصيات الثلاث لا تتشابه في مصادرها ولا في دوافعها. سليم تحركه لذة مرتبطة بالألم، وعلاء تحركه الحاجة والطمع والتلون، بينما يتحرك حسن من مساحة إنسانية بسيطة وصادقة. ولذلك فإن الصراع لا يبدو مجرد مواجهة بين مجرم وضحية، وإنما مواجهة بين حالات إنسانية متناقضة، وهو ما يمنح الحكاية عمقًا يتجاوز الجريمة نفسها.
لكن الكتابة ليست وحدها المسؤولة عن هذا التأثير. الإنتاج في «لعبة جهنم» يلعب دورًا أساسيًا في بناء العالم، بدءًا من اختيار أماكن التصوير وصولًا إلى الملابس والمكياج والديكور والإضاءة. هذه العناصر لا تعمل باعتبارها زينة للمشهد، وإنما تساعد على تعريف الشخصيات من اللحظة الأولى. الملابس، على سبيل المثال، جزء من الصورة التي تصنعها كل شخصية عن نفسها؛ وخصوصًا علاء، الذي يعيش أصلًا على فكرة الصورة التي يقدمها للآخرين. مظهره يصبح امتدادًا لهذه الازدواجية، بينما يأتي شكل سليم أكثر ارتباطًا بالمفارقة بين مظهر شاب يمكن أن يبدو طبيعيًا وبين عالم داخلي شديد الاضطراب.
والمكياج هنا لا يُفترض أن يكون استعراضًا، وإنما أداة للواقعية. التفاصيل البسيطة في الوجه، والإرهاق، والتغيرات التي تطرأ على الملامح مع الضغط النفسي، كلها تساعد على جعل التحولات مقنعة. فالشخصية لا تتغير فقط لأن السيناريو قال إنها تغيرت؛ أحيانًا يكفي أن تتغير نظرتها أو طريقة ظهورها أو درجة إنهاكها كي يشعر المشاهد بأن شيئًا ما انكسر بداخلها.

وهذا يقود إلى الصورة، وهي ربما أهم عناصر التحويل من الحكاية المسموعة إلى الدراما المرئية. عندما كان الجمهور يستمع إلى سامح سند، كان الخيال هو الذي يبني شكل الأماكن والشخصيات، أما الآن فأصبح على صناع العمل أن يقدموا إجابة بصرية عن كل شيء. الشاشة، المحادثات، الأماكن، الوجوه، المسافات بين الشخصيات، وحتى الظلال، كلها أصبحت جزءًا من السرد. الدارك ويب لم يعد مجرد كلمة تُقال، وإنما عالم بصري له إحساس خاص، والعالم الافتراضي لم يعد منفصلًا بأمان عن الواقع، بل أصبح يتداخل معه تدريجيًا حتى يشعر المشاهد أن الخطر يمكن أن يعبر من الشاشة إلى الحياة في أي لحظة.
الإخراج هنا لا يكتفي بتصوير الحدث، وإنما يعمل على صناعة الإحساس الذي يسبقه. هناك فرق بين أن نصور شخصية تدخل مكانًا مخيفًا، وبين أن نجعل المكان نفسه يثير القلق قبل أن يحدث شيء. وهذه المساحة تعتمد على التكوين والإضاءة والزوايا وحركة الكاميرا والإيقاع، وعلى قدرة المخرج على جعل المشاهد يعيش التوتر بدلًا من أن يتلقى معلومة عنه.
والصوت كذلك عنصر لا يقل أهمية عن الصورة. أصوات الإشعارات، ولوحة المفاتيح، وصوت الأجهزة، والصمت المفاجئ، ووقع الخطوات، كلها يمكن أن تتحول إلى جزء من الحكاية، خصوصًا في عمل يعتمد على عالم رقمي تتداخل فيه التكنولوجيا مع الواقع. الصوت يجعل الشاشة محسوسة، ويمنح بعض اللحظات حضورًا يتجاوز ما يظهر في الكادر.

أما الموسيقى التصويرية، فتعمل على مستوى أعمق؛ لأنها لا تشرح الحدث بقدر ما تصنع حالته النفسية. «لعبة جهنم» لا يحتاج إلى موسيقى تقول للمشاهد إن عليه أن يخاف، وإنما يحتاج إلى موسيقى تجعله يشعر بأن هناك شيئًا غير مريح حتى قبل أن يعرف ما هو. وهذا مهم لأن المشاعر في العمل ليست مستقيمة؛ هناك فضول ورغبة في المعرفة، يقابلهما خوف وقلق واشمئزاز وتعاطف، والموسيقى تساعد على الانتقال بين هذه الحالات من دون أن يشعر المشاهد بالانفصال عنها.
والأداء التمثيلي يصبح أكثر أهمية عندما تتكامل معه هذه العناصر. عمر وفراج لا يعملان وحدهما؛ فملابس الشخصية وإضاءة وجهها وطريقة تصويرها وصوتها وموسيقى المشهد كلها تشارك في بناء الأداء. عمر يستفيد من المساحة البصرية ليجعل سليم أكثر غموضًا واضطرابًا، وفراج يستفيد من التناقض البصري بين صورة علاء الخارجية وحقيقته الداخلية. وفي الحالتين، يصبح الممثل جزءًا من الصورة وليس منفصلًا عنها.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط نجاح «لعبة جهنم»: العمل لا يكتفي بتحويل حكاية سمعناها إلى أحداث مصورة، وإنما يحاول تحويلها إلى تجربة حسية كاملة. ما كان صوتًا أصبح صورة، وما كان وصفًا أصبح مكانًا، وما كان شعورًا في رواية أصبح نظرة على وجه ممثل، وما كان مجرد تخيل أصبح ملابس وديكورًا وإضاءة وموسيقى وصوتًا وحركة.
والأهم أن هذه العناصر لا تعمل كل واحدة بمعزل عن الأخرى. الإنتاج يخدم الكتابة، والكتابة تمنح الممثلين دوافعهم، والأداء يمنح الصورة معناها، والإخراج يجمع كل ذلك داخل إيقاع واحد، بينما تأتي الموسيقى والصوت لتكملا الحالة النفسية. هذه هي اللحظة التي تتحول فيها الدراما من إعادة حكاية إلى إعادة تجربة.

لذلك فإن القيمة الحقيقية لـ«لعبة جهنم» لا تكمن فقط في أن قصته صادمة أو في أنه يتناول الدارك ويب وتجارة الأعضاء، وإنما في قدرته على نقل المتلقي من موقع المستمع إلى موقع الشاهد؛ من شخص يسمع حكاية ويتخيلها، إلى شخص يرى العالم أمامه ويشعر بالخوف والقلق والاشمئزاز والتعاطف في اللحظة نفسها.
ثلاث شخصيات تقف في قلب هذا العالم: سليم الذي يمثل اضطرابًا يجد لذته في الألم، وعلاء الذي يختبئ خلف صورة ويحركه الطمع والتلون، وحسن الذي يظل متمسكًا بإنسانيته في أبسط التفاصيل. وبينهم تتحول الحكاية إلى صورة، والصورة إلى إحساس، والإحساس إلى تجربة يعيشها المشاهد بدلًا من أن يسمع عنها فقط. وهذا، في النهاية، هو الاختبار الأصعب لأي عمل مأخوذ من حكاية سبقت الشاشة: ألا يكرر ما قيل، بل أن يجعلنا نراه للمرة الأولى وكأننا ندخل إليه بأنفسنا.








