ساحة الرأي

كمال كبشة يكتب : رحلة رقم 404… المسافر غير موجود

في بعض المطارات، لا يبدأ الارتباك من السماء… بل من الشاشة تصل مبكرًا، تحمل تذكرة مؤكدة ورقم حجز واضحًا، وتظن أن رحلتك تبدأ من بوابة المغادرة. لكنك تكتشف سريعًا أن الرحلة الحقيقية تبدأ من سؤال أبسط وأقسى: هل يعترف النظام بوجودك أصلًا؟

الشاشة تقول بوابة، والتطبيق يقول أخرى، والموظف يطلب الإسراع، والنداء الأخير يطاردك كأنك المتهم الوحيد في فوضى لم تصنعها.

هنا لا تضيع الحقيبة فقط… بل يضيع المسافر نفسه.

يركض الركاب بين البوابات كأنهم داخل لعبة إلكترونية. كل تحديث يلغي ما قبله، وكل معلومة تصل متأخرة، حتى يصبح المسافر آخر من يعرف إلى أين سيذهب، ومتى سيصعد، وهل الطائرة التي أمامه تخصه فعلًا.

المشكلة لم تعد تأخير رحلة أو تغيير بوابة؛ المشكلة أن الفوضى صارت جزءًا من التشغيل، وأن التكنولوجيا التي جاءت لتسهّل السفر أصبحت أحيانًا تحتاج إلى مسافر خارق… يحمل حقيبة، وشاحن هاتف، وخبرة موظف في برج مراقبة.

ثم تأتي اللحظة الكبرى.

يصعد الراكب، يجلس، يتنفس أخيرًا، يرسل صورة ويكتب: «وصلنا للطيارة». وبعد دقائق يسمع وجهة لا تشبه تذكرته.

هنا لا يعود السؤال: لماذا تأخرت الرحلة؟

بل يصبح السؤال: من الذي سافر فعلًا… الراكب أم النظام؟

في زمن التطبيقات الذكية، أصبح بعض السفر يشبه رابطًا خاطئًا؛ تضغط على وجهة، فتجد نفسك في مكان آخر تمامًا.

الشركة تلوم الضغط.

المطار يلوم التشغيل.

والتطبيق يرسل اعتذارًا آليًا أنيقًا.

أما المسافر، فيكتشف الحقيقة متأخرًا:

لم يكن المسافر متأخرًا عن الرحلة…

كانت الرحلة كلها متأخرة عن الإنسان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى