«جريمة في الزمالك».. صبا مبارك ومحمد علي رزق في مواجهة قسوة النفس البشرية
كتبت: نسرين هشام
ليست كل الجرائم وليدة لحظة شر، وليست كل الشخصيات التي ترتكبها شريرة بالفطرة. أحيانًا تقف خلف الجريمة حكايات طويلة من القهر والاستغلال والاحتياج، لكنها تظل في النهاية اختيارات يتحمل أصحابها عواقبها. وهذا ما يجعل حكاية «جريمة في الزمالك» من مسلسل «القصة الكاملة» مساحة ثرية للتأمل في النفس البشرية، من خلال شخصيات لا يمكن وضعها بسهولة في خانة الخير أو الشر، وهو ما أتاح لصبا مبارك ومحمد علي رزق تقديم أداء تمثيلي يحمل الكثير من التفاصيل والتحولات.

صبا مبارك.. من ضحية القهر إلى مواجهة الشيطان بداخلها
تجسد صبا مبارك شخصية نادية، الفتاة التي تتحمل وحدها مسؤولية إعالة أسرتها، المكونة من أب قاسٍ وعاطل عن العمل، وأخ مدمن لا يتورع عن استغلالها، وأخت صغيرة من أصحاب الهمم. ولا تتوقف معاناتها عند حدود البيت، فهي مخطوبة لعماد، الشاب الذي يستغلها ماديًا وعاطفيًا تحت غطاء الحب.
تقدم صبا الشخصية بأداء سلس وبعيد عن المبالغة، يجعلنا نشعر بمعاناتها وندرك حجم القهر الذي تعيشه. وفي حوارها مع أختها الصغرى نكتشف جانبًا إنسانيًا جميلًا في شخصية نادية والعلاقة البريئة التى تجمعهم، ونفهم معنى الفقر بالنسبة إليها؛ فهو ليس مجرد احتياج مادي، وإنما سجن كبير لا تملك مفتاح الخروج منه سوى المال، الذي سيحررها من الحياة التي فُرضت عليها.

ومن أبرز المشاهد مواجهة الأب لها، حين يحاول إجبارها على الزواج من رجل يكبرها بنحو ثلاثين عامًا، ويطالبها بترك خطيبها عماد، دون أن يعلم بحملها منه. تتعرض نادية للضرب والإهانة، وفي اللحظة التي يسيل فيها الدم على وجهها تتغير ملامحها بصورة لافتة؛ إذ نرى للمرة الأولى نظرة الغل والقهر وقد استقرت في عينيها، وكأن الشيطان بدأ يتجسد في ملامحها، لا باعتباره شرًا وُلدت به، وإنما نتيجة تراكم طويل من الإذلال والانكسار. ويتعمق إحساسنا بمأساتها حين يتخلى عنها عماد في محنتها، ويرفض تحمل مسؤولية الجنين، بل يطالبها بالتخلص منه، فتجد نفسها محاصرة من كل اتجاه.
ثم يأتي لقاؤها بالسيدة جريتا، التي أدت دورها الفنانة راندة كعدي باقتدار، ليكشف عن جانب إنساني افتقدته نادية طويلًا؛ فتجد لديها الحنان والاهتمام اللذين حُرمت منهما داخل بيتها. لكن هذه العلاقة تضعها أمام أول اختبار حقيقي للأمانة، حين تمنحها جريتا ثقتها ومفتاح منزلها، وتطلب منها الاطمئنان عليها والاهتمام بدفنها إذا ماتت. وبمجرد أن تقع عينا نادية على الأموال تستسلم للطمع، وتأخذها تاركة جريتا ملقاة على الأرض، ظنًا منها أنها فارقت الحياة. هنا تخون الأمانة، وتخطو أولى خطواتها نحو عالم الجريمة.

وتتضح قدرة صبا على نقل الانفعالات المركبة في مشهد اكتشاف نادية أن جريتا لا تزال على قيد الحياة. ففي المواجهة الأولى بينهما تنقل حالة الرعب والذعر التي تنتاب نادية لحظة رؤية المرأة التي ظنت أنها ماتت، في مقابل نظرة الغضب على وجه جريتا، ليتشكل مشهد مشحون بالتوتر والخوف والشعور بانكشاف الجريمة.
وتبلغ المواجهة ذروتها في المشهد الأخير الذي يجمعهما داخل المنزل، وهو من أكثر المشاهد تعقيدًا على المستوى الإنساني؛ لأننا أمام طرفين يصعب الانحياز الكامل لأي منهما. فجريتا تملك الحق الأخلاقي والقانوني في غضبها، بعدما ائتمنت نادية على نفسها، لتكتشف أنها استغلت ثقتها وتركتها تواجه الموت وحيدة طمعًا في أموالها. وفي المقابل، تقف نادية، التي حاصرها الفقر والقهر منذ طفولتها، أمام ما تراه أول فرصة حقيقية لحياة مختلفة، وتخشى أن تفقدها وتدفع ثمنها سجنًا وفضيحة.
هنا تنجح صبا في تقديم صراع إنساني بالغ الحساسية. فمع تصاعد المواجهة ورفض جريتا مسامحتها وإصرارها على إبلاغ الشرطة، تنتقل نادية من التوسل والاستعطاف إلى رد فعل عنيف ومفاجئ، حين تلتقط التمثال وتضرب جريتا، في لحظة تبدو فيها مدفوعة بغريزة النجاة أكثر من كونها تنفذ جريمة مخططًا لها. ثم يأتي انهيارها وبكاؤها فوق جسد جريتا، وهذيانها بأنها لن تتركها هذه المرة، ليكشف عن تناقض موجع بين خوفها من العقاب وعجزها عن استيعاب ما ارتكبته.

وتتواصل التحولات في مشهد تهديدها والدة عماد بالقتل حتى تدلها على مكانه، إذ تظهر نادية امرأة ناقمة على الحياة، بدأ جانبها المظلم يفرض سيطرته. وفي مواجهتها لعماد، تقدم صبا أداءً مختلفًا يقوم على المراوغة والدهاء المحسوب؛ فتناور وتخفي ما يدور بداخلها، قبل أن ينتهي المشهد باستسلامها لمزيد من الأخطاء، رغم إدراكها أنه مخادع وانتهازي لا يمكن الوثوق به.
وتصل المواجهات التمثيلية إلى ذروتها في مشهد اعتراف نادية أمام الضابط، الذي يؤدي دوره الفنان حازم إيهاب، بقتل جريتا. يبدو المشهد أشبه بمبارزة تمثيلية بين الطرفين، تتصاعد فيها الانفعالات تدريجيًا، وتتنقل نادية بين الإنكار والمقاومة حتى تصل إلى لحظة الاعتراف، التي يعقبها هدوء تام، كأنها تخلصت أخيرًا من عبء الإنكار. ثم تأتي نظرتها الأخيرة في مشهد النهاية لتؤكد اكتمال التحول الذي مرت به الشخصية، وكأن الشيطان الذي كان يتسلل إلى ملامحها طوال الأحداث قد استقر فيها أخيرًا.
محمد علي رزق.. الوجه الآخر للقهر في شخصية علاء
في المقابل، يقدم محمد علي رزق شخصية علاء، الأخ الذي يعيش على حساب شقيقته، ويسرقها ويستنزفها ماديًا، ولا يعنيه ما تتعرض له من ضغوط أو ما قد يلحق بسمعتها من أذى؛ فكل ما يشغله هو الحصول على المال لشراء المخدرات. شخصية انتهازية ومهزوزة من الداخل، يستمد قوته من استضعاف شقيقته واستغلالها وتخويفها، لكنه سرعان ما يكشف عن هشاشته وجبنه حين يواجه القوة الحقيقية.
ويرسم محمد علي رزق ملامح الشخصية ببراعة، ليس فقط من خلال الأداء، وإنما أيضًا بتكامل تفاصيل الشكل الخارجي من ملابس ومكياج وطريقة حركة وتصرف، ليقدم تركيبة إنسانية منفّرة ومقنعة في الوقت نفسه. وعلاء ليس مجرد أخ سيئ يستنزف نادية، بل هو أحد الأسباب الرئيسية التي دفعتها إلى الرغبة في الهروب من بيت أسرتها، بعدما فقدت فيه أبسط معاني السند والأمان.

ويتجلى ذلك في مشاهد تهديده لها، حيث يضاعف حضوره إحساس نادية بفقدان الأمان حتى داخل البيت الذي يُفترض أن يكون مصدر حمايتها. وهنا تكمن قسوة الشخصية؛ فالتسلط لا يأتي من غريب، بل من أقرب الناس إليها، ومن شخص تعرف ضعفه جيدًا، لكنها تظل عاجزة عن التخلص من أذاه.
وفي المقابل، يكشف مشهد تعرضه للضرب على يد تاجر المخدرات وجهه الحقيقي؛ إذ تظهر هشاشته وانكساره وبكاؤه في تناقض واضح مع صورته المتسلطة أمام شقيقته. وينجح محمد علي رزق في إبراز هذا التناقض، ليؤكد أن قسوته على نادية ليست دليل قوة، وإنما محاولة لتعويض عجزه وضعفه. وبهذا يصبح علاء الوجه الآخر لقهر نادية؛ قهر يمارسه من يُفترض أنه سندها، بينما هو نفسه مقهور أمام إدمانه وخوفه.

عناصر العمل.. تكامل الرؤية الفنية
ومن هنا، يأتي قلم المؤلف عمرو سمير عاطف ليمنح الشخصيات أبعادًا إنسانية عميقة ودوافع متشابكة، بينما يتولى المخرج محمود عبد التواب (توبة) ترجمة هذه الرؤية بحرفية عالية إلى صورة بصرية تنبض بالحالة النفسية للشخصيات وتواكب تصاعد الأحداث بسلاسة. والصورة لا تكتفي بنقل الحدث، بل تعكس الحالة النفسية لنادية وتواكب تحولاتها، فتقربنا منها وتجعلنا نتعاطف مع أزمتها دون أن نفقد الإحساس بخطورة اختياراتها.

ويُحسب للمنتج مجدي الهواري اهتمامه الواضح بفريق العمل وحرصه على توفير الدعم المتكامل لكل عناصر التجربة، بدايةً من صُناع العمل الأساسيين وصولًا إلى الممثلين؛ مما انعكس بقوة على أدائهم وقدرتهم على تجسيد الشخصيات بتفاصيلها وانفعالاتها المختلفة. وقد تجلى هذا الحرص في تكامل العناصر الفنية للعمل، من الدور البارز لعناصر المكياج، والملابس، والديكور والموسيقى التصويرية في تشكيل العالم الخاص بالعمل؛ بدءًا من المظهر الخارجي للشخصيات، وصولًا إلى تفاصيل الأماكن التي تتحرك داخلها، مما يعزز مصداقية الحكاية ويمنحها خصوصيتها البصرية.
في النهاية.. من الضحية ومن الجاني؟
تنجح حكاية «جريمة في الزمالك» في طرح سؤال إنساني شائك حول الحدود الفاصلة بين الضحية والجاني، دون أن تقدم إجابات سهلة أو أحكامًا جاهزة. فالتعاطف مع نادية لا يعني تبرئة أفعالها، كما أن فهم دوافعها لا يلغي مسؤوليتها عما ارتكبته. وبين هشاشة علاء وانتهازيته، وقسوة الظروف التي حاصرت نادية، والثقة التي منحتها جريتا ثم تحولت إلى مأساة، تتشكل حكاية عن بشر دفعتهم ظروفهم إلى حافة الهاوية، لكنهم ظلوا مسؤولين عن اختياراتهم.

وتبقى أبرز نقاط القوة في الأداء التمثيلي قدرة صبا مبارك ومحمد علي رزق على تقديم شخصيات نرى تناقضاتها عبر التفاصيل الصغيرة والتحولات النفسية. فالممثل الجيد يجعلنا نعيش مع الشخصية، ونفهم دوافعها ونشعر بصراعاتها، حتى عندما نختلف معها وندين أفعالها.







