«ما لم يُحكَ عن بني مزار».. قراءة مختلفة لحكاية ما زالت بلا إجابة

كتبت: إسراء البواردي
في «ما لم يُحكَ عن بني مزار» تتحول واقعة حقيقية شغلت الرأي العام لسنوات إلى معالجة درامية تحاول النظر إلى ما وراء الحدث نفسه، من خلال الشخصيات وتفاصيلها والحالة التي تحيط بها. المعالجة الدرامية لهاني سرحان لا تتوقف عند إعادة سرد الواقعة، وإنما تعيد ترتيبها داخل بناء درامي يمنح الشخصيات مساحة للحضور، بينما يأتي إخراج أحمد نادر جلال ليترجم هذه المعالجة إلى صورة لها روحها الخاصة.
المعالجة التي قدمها هاني سرحان هي واحدة من أهم عناصر قوة الحكاية، لأنه لم يتعامل مع المادة باعتبارها مجرد جريمة تحتاج إلى سرد تفاصيلها، وإنما حاول أن يصنع منها دراما لها إيقاعها وشخصياتها وأسئلتها. ترك مساحة لما لا يُقال، ولم يعتمد طوال الوقت على الحوار المباشر لشرح كل شيء، وهو ما منح الأحداث فرصة للتكشف تدريجيًا، وجعل المشاهد يتابع الشخصيات بقدر ما يتابع تطورات الحكاية.
وتظهر قيمة المعالجة بشكل أكبر في الطريقة التي تم بها توزيع المعلومات داخل الأحداث؛ فبدلًا من تقديم الإجابات جاهزة، هناك اهتمام ببناء حالة من الترقب، مع منح كل شخصية مساحة تكشف من خلالها عن نفسها. وهذا النوع من الكتابة كان مهمًا في عمل مستند إلى واقعة حقيقية، لأن تحويلها إلى مجرد سرد للأحداث كان سيجعلها أقرب إلى التقرير، بينما أعادها سرحان إلى مساحة الدراما، حيث الشخصيات والمواقف والانفعالات جزء أساسي من الحكاية.

وعلى مستوى الأداء، يقدم أحمد عبدالوهاب شخصية رئيسية بأداء متماسك يعتمد على التفاصيل أكثر من المبالغة، سواء في النظرات أو طريقة الكلام والحركة. لكن قوة التمثيل في العمل لا تتوقف عنده، وإنما تظهر من خلال مجموعة من الممثلين الذين منح كل منهم الشخصية التي يقدمها حضورًا مختلفًا.
ميشيل ميلاد من الأداءات اللافتة، خصوصًا في المونولوجات التي ظهر فيها منفردًا أمام الكاميرا. اعتمد على صوته ونظراته وتفاصيل وجهه، وقدم لهجة بني مزار بصورة طبيعية جعلت الشخصية أكثر تصديقًا. وهنا يظهر الفرق بين ممثل يؤدي الشخصية وفنان يستطيع أن يتوحد معها؛ فميشيل لم يعتمد على الحوار وحده، وإنما جعل حضوره وتعبيراته جزءًا من بناء الشخصية.

ويأتي أحمد عبد الحميد وعارفة عبدالرسول وصفاء الطوخي ضمن مجموعة الأداءات التي أضافت ثقلًا للمشاهد، بينما كان ظهور طاهر الحكيم من أكثر اللحظات التي تستحق التوقف عندها. ظهوره في أول مشهد كان قائمًا بدرجة كبيرة على الصمت، لكن الصمت هنا لم يكن فراغًا، وإنما أصبح أداة للتمثيل. نظراته، حركته، وطريقة وقوفه داخل الكادر كانت كافية لتقديم الشخصية قبل أن تبدأ في الكلام، واستطاع من خلالها أن يأخذ المشاهد إلى حتة تانية دون الحاجة إلى شرح مباشر.
أما حمدي هيكل في دور «المشعوذ»، فيقدم حضورًا مقلقًا ومخيفًا دون الوقوع في فخ المبالغة. لا يعتمد على الحركة الزائدة، وإنما يوظف نظراته وطريقة حضوره ليصل إلى ما تريده الشخصية. وهذا تحديدًا ما جعل ظهوره يحمل قدرًا من الرهبة؛ فهو لا يخبر المشاهد بما يجب أن يشعر به، وإنما يترك أداءه هو من يصنع هذا الإحساس.

وفي الإخراج، يختار أحمد نادر جلال معالجة بصرية كاتمة تتناسب مع طبيعة الحكاية. الإضاءة المنخفضة والظلال والألوان الهادئة لا تأتي لمجرد خلق شكل مظلم، وإنما تمنح المشاهد إحساسًا دائمًا بأن هناك شيئًا غير مكتمل، وهو ما يتوافق مع طبيعة حكاية تحيط بها الأسئلة والتفاصيل الغامضة.
الكادرات أيضًا لم تكن مجرد وسيلة لتصوير المشهد، وإنما جزء من طريقة روايته. اللقطات القريبة تركز على الوجوه وتمنح تفاصيل الممثلين مساحة أكبر، وهو ما يخدم الأداءات التي تعتمد على النظرة والصمت والتعبير، بينما تسمح اللقطات الأوسع للمكان بأن يدخل في تكوين المشهد ويصبح عنصرًا مؤثرًا في الإحساس العام. وفي بعض اللحظات، تترك المساحات المحيطة بالشخصية أو الظلال إحساسًا بالعزلة، وكأن الكادر نفسه يضيف معنى إلى ما يحدث.
وتبرز أهمية الإضاءة تحديدًا في المشاهد التي يعتمد فيها الممثل على حضوره أكثر من الحوار. الظل لا يخفي التفاصيل فقط، وإنما يترك مساحة لما لا نراه، وهو ما يتناسب مع طبيعة الحكاية. وعندما تقترب الكاميرا من وجه طاهر الحكيم مثلًا، تصبح النظرة نفسها جزءًا من السرد، بينما تمنح اللقطات القريبة ميشيل ميلاد مساحة ليعتمد على ملامحه وصوته في المونولوجات.

ولا تنفصل الملابس والمكياج عن هذه الرؤية، فهما جزء أساسي من تكوين الشخصيات وليس مجرد إضافات شكلية. الملابس جاءت مرتبطة بطبيعة الشخصيات والبيئة التي تنتمي إليها، بينما حافظ المكياج على طبيعية الوجوه ولم يتحول إلى استعراض بصري. هذه التفاصيل تمنح الممثل مدخلًا إلى الشخصية قبل أن يبدأ في الكلام، وتجعل وجوده داخل البيئة أكثر إقناعًا.
والأهم أن الملابس والمكياج والديكور والإضاءة والتصوير جاءت في اتجاه بصري واحد. الصورة الكاتمة تحتاج إلى تفاصيل خارجية تتماشى معها، ولذلك لا تبدو الشخصيات منفصلة عن الأماكن التي تتحرك فيها. حتى الهيئة الخارجية للممثلين تساعد على تثبيتهم داخل العالم الذي صنعه العمل، وهو ما ظهر بوضوح مع اختلاف الشخصيات وتنوعها.
في النهاية، «ما لم يُحكَ عن بني مزار» لا يعتمد فقط على قوة الواقعة التي يستند إليها، وإنما على الطريقة التي تمت بها إعادة صياغتها دراميًا. هاني سرحان يقدم معالجة تمنح الحدث شخصيات ومساحات وأسئلة، وأحمد نادر جلال يحول هذه المعالجة إلى صورة تعتمد على الكادرات والإضاءة والظلال، بينما يمنح الممثلون هذه العناصر حياة حقيقية أمام الكاميرا. والنتيجة عمل لا يكتفي بحكاية ما حدث، وإنما يهتم أيضًا بكيفية رؤيته والشعور به.







