ساحة الرأي

ماذا لو استيقظ العالم ذات صباح على خبر استثنائي يفيد بإلقاء القبض على رئيس الوزراء الإثيوبي “آبي أحمد”؟

بقلم: محمد حراز

إنه تطور مفاجئ يرتبط بأزمة سد النهضة، ليفتح فصلاً جديداً في واحدة من أكثر القضايا حساسية في منطقة حوض النيل.
تخيّلوا حجم الصدمة، وعناوين الصحف العالمية، واجتماعات مجلس الأمن الطارئة، والتصريحات المتلاحقة من العواصم الكبرى، بينما تتجه الأنظار معاً نحو القاهرة وأديس أبابا، وسط تساؤلات ملحة عن مستقبل العلاقات بين البلدين، وانعكاسات هذا الحدث الجلل على أمن المنطقة واستقرارها.

ولعل استدعاء الشواهد التاريخية – مثل التحركات الأمريكية السابقة تجاه فنزويلا – يعيد إلى الأذهان سؤالاً جوهرياً: كيف تتصرف القوى الكبرى حين تشعر بأن مصالحها الاستراتيجية مهددة؟ وكيف يُلقي تفاوت النفوذ بظلاله على طبيعة القرارات الدولية وردود الفعل عليها؟

من هنا تتجسد المقارنة مع أزمة سد النهضة؛ فكما تعتبر الولايات المتحدة ملفات بعينها جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي، تنظر مصر إلى مياه النيل باعتبارها قضية وجود وحياة يومية لملايين المواطنين.

فالمياه هنا ليست مجرد أرقام صماء في اتفاقيات دبلوماسية، بل هي الأساس الراسخ للزراعة، والغذاء، والاستقرار، ومستقبل الأجيال القادمة.

لكن، هل يعني الدفاع عن الحقوق الحتمية الانزلاق إلى مواجهات عسكرية؟
بالطبع لا..

إن السيناريو المتخيّل للقبض على “آبي أحمد” ليس دعوة عبثية لاستخدام القوة، وإنما هو نافذة تفكير في كيفية حماية المصالح الوطنية، والضغط بشتى السبل من أجل حلول عادلة، دون الانزلاق إلى صراع مدمر يدفع ثمنه المصريون والسودانيون والإثيوبيون على حد سواء.

فماذا لو قررت مصر الانتقال إلى مرحلة جديدة من الحراك الدبلوماسي والسياسي، متسلحة بأدوات القانون الدولي، وشبكة التحالفات، والوساطة الفاعلة، للضغط نحو اتفاق قانوني ملزم بشأن سد النهضة؟

إن خيار السلام لا يعني بأي حال التنازل عن الحقوق، كما أن التفاوض المفتوح بلا سقف زمني لم يعد مقبولاً.

إن ما يُطلب حقاً هو مسار جاد يرتكز على جدول زمني واضح، وآليات دقيقة لتبادل البيانات، والتعامل بحكمة مع فترات الجفاف، وتنسيق قواعد تشغيل السد، بما يحفظ مصالح جميع الأطراف. فالحماية الحقيقية للأمن المائي لا تقف عند أداة واحدة، بل تقتضي استراتيجية متكاملة تقلص المخاطر وتصون الاستقرار.

على الجانب الآخر، تمتلك إثيوبيا مصلحة حقيقية في بلوغ اتفاق مستقر؛ فالسد يمكن أن يتحول إلى مشروع تنموي رائد لتوليد الكهرباء، بدلاً من أن يظل مصدراً دائماً للتوتر والخصومة بين شعوب يجمعها نهر واحد وتربطها مصالح مشتركة.

أما المجتمع الدولي، فعليه ألا يكتفي بعبارات القلق والدعوات العامة للحوار؛ بل تقع عليه مسؤولية دعم الوساطة الجادة، وحث الأطراف على الالتزام بقواعد القانون الدولي، والمساهمة في صياغة تفاهمات عملية قابلة للتنفيذ تمنع أي تصعيد محتمل.

وكما تحرص الدول الكبرى على حماية مقدراتها، يحق لمصر أن تتمسك بحقها الأبدي في مياه النيل بكافة الوسائل المشروعة، والإصرار على اتفاق عادل وملزم، بعيداً عن خيارات الدمار أو الحروب المتهورة.

فالقوة الحقيقية تكمن في القدرة على درء الأزمات وحماية الحقوق قبل انفجارها، لا في إشعال نيران الصراعات.

والغاية الأسمى ليست حرمان أي شعب من حقه في التنمية، بل ضمان ألا يتحقق نمو طرف على حساب أمن وبقاء الطرف الآخر.

فليكن النيل جسراً للتعاون لا ساحة للنزاع، وليكن سد النهضة لبنة في مشروع تنموي مشترك لا مهدداً لحياة الملايين.
وفي النهاية، يظل مشهد القبض على “آبي أحمد” في هذا السياق مجرد فرضية خيالية، لكنها ليست بعيدة عن منطق التحولات السياسية الكبرى.

أما الهدف الواقعي الذي يستحق نضال الدبلوماسية فهو الوصول إلى اتفاق ملزم يصون حقوق مصر والسودان وإثيوبيا معاً، ويجنب المنطقة بأسرها أهوال الحرب؛ لأن السلام العادل القائم على صون الحقوق يظل دائماً أقوى وأبقى من صراع مجهول العواقب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى