ساحة الرأي

من ثغور الكلمة إلى طلقات الوعي.. ماذا لو حاربت مصر؟

بقلم: محمد حراز

في الماضي، حين كان صدى المدافع يرتجّ على الحدود، كان المصريون يجتمعون حول «جهاز الراديو». كانت القلوب تتنفس بصوت المذيع، والأرواح تتشابك مع كل كلمة تخرج من بيانات القوات المسلحة. كان الشارع يدرك ببصيرة فطرية أن زمن المعارك لا يحتمل الرفاهية، ولا يتسع للشائعات، وأن الانضباط خلف الجيش هو خط الدفاع الأول الذي لا يقل أهمية عن السلاح في يد الجندي.

اليوم، المعركة لم تعد على الحدود وحدها.. المعركة صعدت إلى جيبك، إلى شاشة هاتفك. لقد أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ميدان قتال مفتوحاً بلا قواعد؛ ساحة تلتحم فيها الأخبار بالسموم، وتتدفق عبرها الصور المضللة والفيديوهات المفبركة.

في أوقات الأزمات، تنشط اللجان الإلكترونية وغرف إدارات الحروب النفسية، تسابق الزمن لزرع الشك، وضرب الجبهة الداخلية، واستهداف القلعة الأخيرة: ثقة الشعب في مؤسساته وقواته المسلحة؛ تُزيَّف الحقائق، وتُقتطع المشاهد من سياقها، ويُمنح الكذب أجنحة تطير بها الشائعة أسرع من الحقيقة.

هنا يجب أن تدرك موقعك في هذه الحرب: فكل مواطن يقف على ثغر من ثغور الوعي، فإذا فقد وعيه سلّم هذا الثغر للعدو؛ فلا تجعل هاتفك منصة إطلاق نار ضد وطنك، لا تكن الجسر الذي تعبر عليه سموم الشائعات إلى عقول أهلك، المعلومة غير الموثقة في زمن الحرب ليست مجرد خطأ عابر، إنها طلقة خائنة قد تُحدث في الجدار الوطني ضرراً أشد وأقسى من رصاصة العدو.

القوات المسلحة لا تخوض معاركها بالهواية، وأخبارها لا تُستقى من منشور غامض أو حساب مجهول. المتحدث العسكري والبيانات الرسمية والمصادر الموثوقة هي المصدر الوحيد للحقائق.

هذه ليست مساحة لإبداء الرأي، ولا رفاهية لتحليل الهواة.. هذه قضية أمن قومي وجودية.

ضع هذه الحقيقة نصب عينيك: أمن مصر لا يبدأ من خط الحدود فقط، بل يبدأ من حرف تكتبه، أو منشور تشاركه.

الكلمة المسؤولة اليوم هي طلقة في صدر التضليل، والوعي الصلب هو الجدار الذي تتحطم عليه كل مؤامرات التشكيك.

المعركة الحديثة لم تعد معركة سلاح وبارود فحسب، بل هي بالأساس معركة كسر إرادة وسيطرة على الوعي.

حفظ الله مصر العظيمة، وحفظ قواتها المسلحة حصناً حصيناً ودرعاً وسيفاً.

حماها الله وطناً عزيزاً، شامخاً، عصياً على الانكسار، لا تنال من إرادته الشائعات، ولا تهز عزيمته حملات التضليل.

عاشت مصر حرة، أبية، قوية، ومنتصرة رغماً عن أنف الحاقدين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى