فن ومنوعات

إسلام خيري لـ«الرأي الآن»: أصنع لكل حكاية عالمها الخاص.. و«لعبة جهنم» تجربة مختلفة (حوار)

إسراء البواردي

في كل تجربة إخراجية، يبحث المخرج الحقيقي عن مساحة جديدة يترك فيها بصمته، لكن بعض المخرجين لا يكتفون بتقديم الحكاية، بل يسعون إلى خلق عالم خاص لها، تصبح فيه الصورة والأداء والإيقاع جزءًا أساسيًا من السرد. ومن بين الأسماء التي استطاعت أن تثبت حضورها بهذا التنوع المخرج إسلام خيري، الذي قدم خلال السنوات الماضية تجارب متباينة، انتقل فيها بين عوالم وألوان درامية مختلفة، محققًا نجاحات متتالية وملفتة.

من «جودر» بما يحمله من عالم أسطوري مستوحى من أجواء ألف ليلة وليلة، إلى «جت سليمة» ثم «قهوة المحطة»، وصولًا إلى «لعبة جهنم»، يواصل إسلام خيري البحث عن لغة مختلفة لكل عمل، رافضًا تكرار نفسه أو التعامل مع الحكايات بالقالب الإخراجي ذاته.

ومع «لعبة جهنم»، يخوض خيري تجربة تعتمد بدرجة كبيرة على التشويق والغموض والتحليل النفسي للشخصيات، وهو ما انعكس على تفاعل الجمهور مع حلقات العمل، التي تصدرت التريند وحققت حضورًا لافتًا منذ عرضها.

وفي حوار خاص مع موقع الرأي الآن، تحدث المخرج إسلام خيري عن أسباب انجذابه إلى «لعبة جهنم»، ورؤيته الخاصة للعنوان، وطريقة تعامله مع الممثلين، وأصعب القرارات الإخراجية التي اتخذها، كما كشف تفاصيل عن استخدام عدسات الـPeriscope، وأصعب مشاهد العمل، ورؤيته للتشويق والمفاجآت، وكيف يوازن بين إبهار الجمهور والحفاظ على منطق الأحداث.

إيه اللي جذبك لفكرة «لعبة جهنم» من البداية؟

أول حاجة شدتني في «لعبة جهنم» إن الحكاية مش مجرد جريمة بنشوف نتيجتها، لكن فيها مساحة كبيرة لفهم الشخصيات والدوافع والطريق اللي ممكن يوصل الإنسان للنقطة دي.

كمان الحكاية فيها توتر نفسي كبير، وده خلاني أشوف إن فيها مساحة لصناعة حالة مختلفة بصريًا ودراميًا، خصوصًا إن التفاصيل الصغيرة فيها مهمة جدًا، وممكن يكون ليها معنى أكبر مع تطور الأحداث.

عنوان «لعبة جهنم» يحمل معنى قوي.. إيه المقصود بـ«اللعبة» وإيه دلالة «جهنم» داخل الحكاية؟

أنا شايف إن «اللعبة» في الحكاية مش مجرد لعبة بالمعنى المباشر، لكن هي فكرة أكبر؛ مجموعة من الاختيارات والعلاقات والتورطات، وكل خطوة فيها ممكن تجرّ اللي بعدها.

أما «جهنم»، فأنا شايف إنها بتعبر عن المصير أو الحالة اللي ممكن الإنسان يوصل لها لما يدخل في طريق معين من غير ما يدرك في البداية هو رايح لفين.

وده اللي خلاني أحب العنوان؛ لأنه يخليك تسأل من البداية: مين اللي بيلعب؟ وإيه ثمن اللعبة؟ وإمتى اللعبة بتتحول لحقيقة؟

إيه المختلف في الحكاية دي عن الأعمال اللي قدمتها قبل كده؟

أنا بطبيعتي مش بحب أكرر نفسي، وده ظهر في اختياراتي السابقة. «جودر» كان عالمًا مختلفًا تمامًا، و«جت سليمة» له طبيعته الخاصة، و«قهوة المحطة» كان في منطقة تانية خالص، ودلوقتي «لعبة جهنم» لها عالم مختلف تمامًا.

فالاختلاف بالنسبة لي مش بس في نوع الحكاية، لكن في طريقة الاقتراب منها. كل قصة بتفرض عليَّ لغتها وشكلها، وأنا بحاول ألاقي اللغة اللي تخدمها هي، مش أستخدم نفس الشكل اللي استخدمته في عمل سابق.

إزاي اشتغلت مع الممثلين على بناء الشخصيات والحالة النفسية؟

كان مهم جدًا بالنسبة لي إننا نفهم الشخصيات من الداخل، مش بس نفهم هي بتعمل إيه. خصوصًا إن الشخصيات في «لعبة جهنم» محتاجة إن دوافعها وحالتها النفسية تكون واضحة حتى في اللحظات اللي مفيهاش كلام كتير.

اشتغلنا على التفاصيل الصغيرة في الأداء؛ النظرة، والسكوت، ورد الفعل، وطريقة التعامل مع المواقف، لأن أحيانًا التفاصيل دي بتقول أكتر من الحوار نفسه.

هل كان فيه ارتجال من الممثلين غيّر شكل بعض المشاهد؟

كان فيه مساحة للارتجال، وأنا أحب إن الممثل يكون عنده مساحة يضيف من إحساسه وشخصيته، لكن في النهاية لازم يفضل الارتجال داخل الإطار الدرامي للمشهد.

وأحيانًا فعلًا التفاصيل اللي بيضيفها الممثل أثناء التصوير بتخلق لحظة أصدق من اللي كنت متخيلها في التحضير، وساعتها طبعًا لازم نستفيد منها.

بالنسبة للسيناريو، إيه أول صورة أو مشهد تخيلته على الشاشة؟

اللي جه في دماغي في البداية كان إحساس الصورة أكتر من مشهد بعينه. كنت شايف إن الكاميرا لازم تكون قريبة جدًا من الشخصيات ومن عالمهم، وتلتقط تفاصيل ربما المشاهد العادي ما ياخدش باله منها في البداية.

ومن هنا بدأ يتكون عندي شكل بصري للحكاية، قائم على إننا نكون قريبين جدًا من التفاصيل، لكن من غير ما نشرح للمشاهد كل حاجة.

إيه أصعب قرار إخراجي أخدته في العمل؟

أصعب القرارات كان إنك تحدد إيه اللي تقوله للمشاهد وإيه اللي تسيبه هو يكتشفه. أنا مؤمن إن المشاهد لازم يكون شريكًا في الحكاية، خصوصًا في عمل قائم على التشويق والغموض.

مش لازم أشرح له كل معلومة فورًا؛ أحيانًا الأفضل إني أزرع تفصيلة صغيرة وأسيبه يكتشف أهميتها بعدين.

هل كان عندك تصور بصري معين لطريقة تصوير الحكاية؟

آه، وكان التصور البصري جزءًا أساسيًا جدًا من الحكاية بالنسبة لي. استخدمت عدسات الـPeriscope بشكل واضح، لأنها سمحت لي أعمل تفاصيل دقيقة وقريبة جدًا، وأوصل لزوايا ومسافات بتخلق إحساسًا مختلفًا تمامًا عن التصوير التقليدي.

لكن بالنسبة لي الـPeriscope مش مجرد تقنية أو شكل بصري. هو جزء من طريقة رؤيتي للحكاية. كنت عايز الكاميرا تكون قريبة جدًا من الشخصيات، وأحيانًا تراقب تفاصيل صغيرة جدًا في المكان أو في الشخصيات، لأن التفاصيل دي لها دور في الحالة النفسية وفي إحساس المشاهد.

وفي النهاية كنت حريص إن الصورة يكون لها شخصية وأصالة، وتحس إنها نابعة من رؤيتي أنا للحكاية، مش مجرد تنفيذ للسيناريو.

إزاي حافظت على عنصر التشويق من غير ما الأحداث تبقى متوقعة؟

التشويق بالنسبة لي مش معناه إن كل شوية لازم تحصل مفاجأة. الأهم إن المشاهد يفضل عنده سؤال، أو إحساس إن فيه حاجة هو لسه مش فاهمها بالكامل.

فاشتغلت على توزيع المعلومات، وعلى التفاصيل والإيقاع، بحيث إن المشاهد يكون دائمًا متقدم خطوة ومتأخر خطوة في نفس الوقت.

وأهم حاجة بالنسبة لي إن المفاجأة لما تحصل تكون منطقية؛ يعني بعد ما تعرفها تقول: «آه، كان فيه علامات موجودة قدامي»، مش تحس إنها حاجة اتفرضت على الحكاية عشان نفاجئك.

إيه أكتر شخصية فاجأتك أثناء التصوير؟

أعتقد إن أكتر حاجة فاجأتني هي إن الشخصيات نفسها كانت بتكشف جوانب جديدة كل ما دخلنا أعمق في المشاهد.

وده تحديدًا اللي بحبه في مرحلة التصوير؛ إن الشخصية اللي كنت شايفها على الورق تبدأ تتحول لشخص حقيقي قدامك من خلال الممثل.

وأحيانًا تفصيلة صغيرة في الأداء تغير إحساسك بالشخصية أو بالمشهد كله.

هل شايف إن الجمهور المصري بقى أكثر تقبلًا لأعمال التشويق والغموض مقارنة بالسنوات الماضية؟

أعتقد إن الجمهور المصري دائمًا كان يحب الحكايات اللي تخليه يفكر ويخمن، لكن الجمهور النهارده بقى عنده خبرة أكبر، لأنه شاف أنواعًا وتجارب كثيرة جدًا.

وده في رأيي شيء إيجابي، لكنه في نفس الوقت بيخلي مسؤولية صانع العمل أكبر. ما ينفعش تعتمد فقط على المفاجأة أو الـTwist؛ لازم يكون عندك حكاية قوية وشخصيات حقيقية، والتشويق يبقى نابعًا من الدراما نفسها.

إزاي بتوازن كمخرج بين إنك تفاجئ الجمهور وبين إن الأحداث تفضل منطقية؟

بالنسبة لي المنطق أهم من المفاجأة.

أنا أحب إن المشاهد يتفاجئ، لكن بعد المفاجأة يقدر يرجع للأحداث ويكتشف إن كل شيء كان له مقدمات.

أصعب حاجة إنك تعمل مفاجأة كبيرة، لكن لما المشاهد يفكر فيها يقول: «إزاي ده حصل؟». وقتها المفاجأة بتفقد قيمتها.

أنا أفضل إن المشاهد يقول: «ما توقعتش ده»، وبعدها يكتشف إن الإجابة كانت موجودة قدامه طول الوقت.

هل «لعبة جهنم» كانت بالنسبة لك تحديًا في المقام الأول، ولا فرصة لتجربة منطقة جديدة إخراجيًا؟

كانت تحديًا بالتأكيد، لكن مش بمعنى إني لأول مرة بدخل منطقة مختلفة. أنا اشتغلت قبل كده على عوالم وأنواع متباينة جدًا؛ من «جودر» وعالم ألف ليلة وليلة، إلى «جت سليمة»، و«قهوة المحطة»، وكل تجربة فيهم كانت مختلفة تمامًا عن اللي قبلها، لكن كان هدفي دائمًا واحد: إني أقدم كل حكاية بلغتها وشكلها الخاص.

وبالنسبة لي التحدي مش إني أعمل نوعًا جديدًا لمجرد الاختلاف، لكن إني كل مرة أقدر أقدم الحكاية بشكل يخليها تبدو وكأنها لم يكن من الممكن أن تُروى إلا بهذه الطريقة.

وده تحديدًا اللي حاولت أعمله في «لعبة جهنم»؛ أخلق لها عالمها ولغتها البصرية والنفسية الخاصة، بحيث تكون الصورة والإيقاع والأداء جزءًا من الحكاية نفسها، مش مجرد أدوات لتنفيذها.

إيه أصعب مشهد في التصوير؟

مشهد خنق حسن كان من أصعب المشاهد بالنسبة لي، مش بس من ناحية التنفيذ، لكن على المستوى النفسي كمان. المشهد كان قاسيًا جدًا، لدرجة إني حسيت بقسوته وأنا بنفذه.

كان مهم بالنسبة لي إني ما أتعاملش مع المشهد باعتباره مجرد لحظة عنف، لكن إننا نحس بثقل اللحظة وقسوتها وتأثيرها، من غير ما يتحول المشهد لاستعراض.

وعشان كده كنت حريص جدًا على كل تفصيلة؛ من الأداء، لحركة الكاميرا، للإيقاع. كان لازم القسوة توصل للمشاهد، لكن في نفس الوقت نحافظ على الجانب الإنساني والنفسي للمشهد.

هل حصل موقف في الكواليس قلب شكل مشهد أو غيّر قرارًا إخراجيًا؟

طبعًا، وده شيء طبيعي جدًا أثناء التصوير. التحضير مهم جدًا، لكن التصوير نفسه أحيانًا يكشف لك احتمالات ما كانتش موجودة في خيالك بنفس الشكل.

ممكن تشوف أداء معين من ممثل، أو تكتشف زاوية، أو تفصيلة في المكان، وتحس إن ده بيخدم المشهد بشكل أفضل. وساعتها أنا مع المرونة جدًا، طالما التغيير في النهاية بيخدم الحكاية وما يخرجش عن رؤيتها.

هل فيه مشهد أخذ وقتًا أو مجهودًا أكبر مما كنت متوقعًا؟

المشاهد اللي اعتمدت على تفاصيل بصرية دقيقة أخدت مجهودًا كبيرًا، خصوصًا مع الطريقة اللي اخترنا نصور بيها.

لأن استخدام الـPeriscope بالشكل اللي كنت عايزه مش مجرد إنك تحط العدسة وتصور؛ لازم تكون المسافة، والزوايا، وحركة الممثل، والضوء، وكل التفاصيل محسوبة جدًا عشان توصل للإحساس اللي أنا عايزه.

وفي النهاية، النوع ده من التفاصيل هو اللي بيخلي الصورة لها شخصية، وبيخلي المشاهد يحس إن اللي بيشوفه مش مجرد تنفيذ للحكاية، لكن رؤية إخراجية لها بصمتها الخاصة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى