فن ومنوعات

مدحت العدل يكشف لـ«الرأي الآن» كواليس «الست».. ويعلن تفاصيل «حليم» ووجهة نظره في حق الأداء العلني(حوار)

نسرين هشام

من مصر إلى الأردن، انتقلت «الست» إلى مهرجان جرش للثقافة والفنون في أول عرض لها خارج مصر، وسط تفاعل لافت مع رحلة أم كلثوم من البدايات إلى قمة المجد. ويكشف مدحت العدل لـ«الرأي الآن» كواليس التجربة ورؤيته لتقديم كوكب الشرق كـ«أسطورة وإنسانة»، إلى جانب تفاصيل مشروع «حليم» ورأيه في قضية حق الأداء العلني.

يواصل الدكتور مدحت العدل خوض تجارب فنية مختلفة تجمع بين الكتابة والإنتاج والمسرح الغنائي، بعد نجاح تجاربه في تقديم سير شخصيات بارزة، كان آخرها عرض «الست» الذي تناول سيرة كوكب الشرق أم كلثوم في قالب مسرحي غنائي يعتمد على تقنيات حديثة وأسلوب «Broadway».

وكان لموقع الرأي الآن حوار خاص مع الدكتور مدحت العدل، تحدث خلاله عن كواليس اختياره لشخصية أم كلثوم، وتفاصيل إعداد العرض واختيار أبطاله، ورؤيته للجانب الإنساني في شخصية كوكب الشرق، إلى جانب تجربته في الإنتاج، ومشروعه المقبل عن عبد الحليم حافظ، ورأيه في قضية حق الأداء العلني.

«الست».. لماذا أم كلثوم؟

بعد تجربتك مع شخصيتين عالميتين هما كوكو شانيل وتشارلي شابلن، انتقلت إلى واحدة من أهم الأيقونات المصرية والعربية، أم كلثوم. ما الذي دفعك إلى هذا الاتجاه؟ وماذا تمثل لك أم كلثوم على المستوى الشخصي والفني؟

أستطيع القول إنني عندما قدمت «كوكو شانيل» و«تشارلي شابلن»، كنت أمهد، بشكل أو بآخر، لتقديم «أم كلثوم»، وأعتبرها الخطوة الأكثر نضجًا واكتمالًا بين المسرحيات الثلاث.

«كوكو شانيل» كانت في الأساس مشروعًا صُمم لشريهان، وكنا نبحث عن شخصية مناسبة لتقديمها بمناسبة يوم المرأة العالمي، إلى أن استقر الاختيار على كوكو شانيل. أما «تشارلي شابلن» فجاءني المشروع ولم يكن اختياري من البداية. لكن «أم كلثوم» كانت اختياري أنا، ولذلك هي الأقرب إلى قلبي وعقلي.

أم كلثوم مرتبطة بجزء كبير من حياتي ووجداني. أنا من جيل عاش مشاعره على أغانيها، إلى جانب عبد الحليم حافظ، وهما من أكثر الأصوات التي أثرت في وجداني.

لذلك، عندما كان يسألني أحد: «لماذا تقدم مسرحية عن أم كلثوم؟»، كنت أقول: «أنا أقدم قصة حياتي أنا».

كل مشاعري تقريبًا عشتها على أغانيها؛ حبيت واتحبيت، جرحت وانجرحت، فرحت وحزنت. ولذلك أستحضر من خلال أم كلثوم مشاعر حياتي منذ طفولتي وحتى اليوم، وربما لهذا السبب خرج العرض بهذه الحميمية، وشعر به الجمهور وتفاعل معه.

شخصية أم كلثوم تناولتها أعمال فنية كثيرة من قبل، سواء في السينما أو الدراما، وكان من أشهرها مسلسل «أم كلثوم» بطولة صابرين. لكنك اخترت أن تقدمها هذه المرة في قالب مسرحي غنائي. كيف فكرت في طريقة السرد، خصوصًا أنك تناول ثلاث مراحل عمرية مختلفة، من طفولتها وحتى وصولها إلى قمة المجد؟

أقدم نوعًا مختلفًا من الفن عن أم كلثوم. المسلسل يمكن أن يقدم 30 حلقة، والفيلم يمكن أن يحكي قصتها في ساعتين، لكنني أقدمها بأسلوب مختلف تمامًا؛ نحن نقدم ما يسمى بـ«Broadway Style»، من غناء وشاشات وتقنيات الـDeep Fake، وهي مرحلة متقدمة من تقنيات الهولوجرام، إلى جانب استخدام الـAI في بعض المشاهد.

أسرد قصة أم كلثوم من خلال مقاطع لأم كلثوم نفسها، ومن خلال شعر كتبته خصيصًا عن مواقف في حياتها. وبالتالي فإن طريقة السرد مختلفة تمامًا.

لكن التحدي الأكبر كان: كيف يمكن أن ألخص 75 عامًا من حياة أم كلثوم في ساعتين فقط؟ هذه كانت الإشكالية الأساسية التي واجهتني: ماذا أختار وماذا أترك؟

 

عندما نظرت إلى حياة أم كلثوم بهذا الامتداد، ما الذي رأيته يصلح دراميًا ويستحق أن يكون على خشبة المسرح؟

أولًا، قصة الصعود. قصة صعود أم كلثوم من فتاة فلاحة تغني في الموالد في طماي الزهايرة بالمنصورة، إلى سيدة استثنائية، ليس فقط كمطربة، وإنما كسيدة كان لها حضور وتأثير كبيران، حتى إنها كانت أول سيدة عربية تحصل على جواز سفر دبلوماسي.

وأم كلثوم قدمت بعد نكسة 1967 ما لم تقدمه حكومات أو جهات، وكانت قادرة بشخصها على القيام بدور استثنائي في دعم المجهود الحربي.

وهذه كانت بالنسبة لي قمة الـPeak في حياتها. لذلك أنهيت المسرحية بعد 1967، بعد أن جمعت الأموال. هي استمرت في الغناء بعد ذلك وكل شيء، لكن بالنسبة لي كانت تلك اللحظة هي القمة، وهي أقوى مرحلة في حياتها.

وفي الوقت نفسه، لم أقدم أم كلثوم فقط، وإنما قدمت أيضًا قصة حب أحمد رامي لها، ومحمد القصبجي، ورياض السنباطي، وكل هؤلاء الذين شكلوا جزءًا أساسيًا من الظاهرة.

أم كلثوم بمفردها كانت ظاهرة صوتية فريدة، لكن من دون هؤلاء المبدعين جميعًا لم تكن ظاهرة أم كلثوم لتكتمل بالشكل الذي عرفناه.

المسرح الغنائي.. المساحة الأقرب إلى مدحت العدل

ذكرت إنك أصبحت تشعر بأن المسرح الغنائي هو المساحة التي تريد أن تركز عليها، وهو أيضًا ملعبك كشاعر. هل تشعر أنك تأخرت في الوصول إلى هذا النوع، أم أن التجارب السابقة كانت تمهيدًا طبيعيًا لها؟

أنا أشعر أنني وُلدت لأكتب المسرح الغنائي قبل أي شيء آخر. لكن قبل ذلك قدمت استعراضات ومسرحيات غنائية في احتفالات أكتوبر لمدة خمس سنوات متتالية، وكانت تلك هي البداية. لكن يمكن أن تقولي إن البداية الحقيقية كانت «كوكو شانيل».

وبعد «كوكو شانيل» و«تشارلي شابلن» يبدو أنك حددت المسار الذي تريد أن تركز عليه مستقبلًا؟

نعم. هذا هو النوع الذي أريد أن أكتبه وأنتجه. بالطبع يمكن أن أنتج أعمالًا أخرى، لكن المسرح الغنائي يمثل إحدى أولوياتي.

هل يمكن أن نعتبر «أم كلثوم» بمثابة إعادة اكتشاف لمدحت العدل؟ أو ربما نقطة تحول جديدة في مسيرتك؟

بالتأكيد. عندما قدمت «أم كلثوم» كانت مغامرة مرعبة. «تشارلي شابلن» نجحت، والحمد لله «كوكو شانيل» نجحت أيضًا، لكن «أم كلثوم» كانت مختلفة تمامًا، ومحطة مختلفة في مسيرتي.

قدمت خلال مسيرتي أكثر من عمل، «محمود المصري» و«المافيا» وغيرها، لكن هناك أعمال في مسيرتي أعتبرها من أعلى ما قدمت، وهي «صعيدي»، و«الحلم العربي»، و«أم كلثوم». هذه الأعمال الثلاثة تحديدًا أعتبرها من أكثر التجارب اكتمالًا وتمثل بالنسبة لي قممًا خاصة.

وأم كلثوم تحديدًا، من وجهة نظري، قمة نضجي الفني. وعندما كتبتها ورأيت رد فعل الجمهور المذهل تجاه العرض، شعرت أنني اخترت بشكل صحيح، وأنني غامرت في المكان الصحيح، سواء بفلوسي أو بقراري الفني، خصوصًا أن كل من يقف على خشبة المسرح تقريبًا وجوه جديدة، ولا يعرفهم الجمهور بالشكل التقليدي.

 

كواليس اختيار أبطال «الست»

ألم تكن خائفًا من المجازفة باختيار وجوه جديدة تمامًا؟ وما المعايير التي بنيت عليها اختيار هذه الوجوه الجديدة؟

هذا جزء أساسي من أنني لم أرضَ أن أختار شخصًا معروفًا. والاختيار كان من خلال لجنة واختبارات أداء «Auditions»، لأننا منذ البداية كنا نقول: نحن لا نقدم مسرحية تقليدية، نحن نقدم «Musical»، ونقدم «Broadway».

وبالتالي، إذا كنت سأختار فنانة، فأنا أريدها تستطيع الغناء والرقص والتمثيل في الوقت نفسه. هذا بالنسبة لي أفضل من أن أختار واحدة تجيد الغناء والرقص فقط، أو التمثيل والغناء فقط. كنا نبحث عن الفنان الشامل.

ولهذا كانت لجنة الاختيار تضم مجموعة من المتخصصين؛ كان معنا الكوريغراف عمرو باتريك، وإيهاب عبد الواحد، والمخرج أحمد فؤاد، والموزع خالد الكمار، إلى جانب متخصصين في الـVocal Coaching، وأنا كنت موجودًا معهم أيضًا.

كل شخص كان يضع تقييمه، وفي النهاية اخترنا الكاست على أساس قدرته على تقديم الفنان الشامل الذي يحتاجه هذا النوع من المسرح.

وهل كان الشبه الشكلي مع الشخصية عنصرًا أساسيًا في الاختيار؟

بعد اختيار الفنان الشامل، جاء التقارب الشكلي في المرتبة الثانية. لم أكن مهتمًا بالشبه بشكل مبالغ فيه، لكنه كان مهمًا إلى حد ما؛ فلا يمكن مثلًا أن أختار فتاة شديدة النحافة لتؤدي دور أم كلثوم.

كنا نبحث عن ملامح قريبة من الشخصيات، لكن من دون أن يتحول الأمر إلى تقليد مباشر أو مبالغ فيه. الأهم بالنسبة لي كان الروح والقدرة على تجسيد الشخصية.

ولذلك استعنا أيضًا بالدكتور محمد مبروك، أحد أهم مدربي التمثيل، ومساعد المخرج أحمد فؤاد، لتدريب فريق العمل على الأداء. واستمرت البروفات اليومية نحو ثمانية أشهر، حتى وصلنا إلى الشكل الذي ظهر به العرض.

وكنت دائمًا أقول لمن يسألني: «من بطلة العرض؟»: «أم كلثوم». لأنني مهما اخترت مطربة معروفة لتجسيدها، ستظل في النهاية شبحًا لأم كلثوم. بالنسبة لي، البطولة الحقيقية هي أم كلثوم نفسها، وليس من تؤدي الدور.

بين أم كلثوم التي على المسرح والإنسانة خلف الستار

اثناء الكتابة عن أم كلثوم، بالتأكيد لم تكن تتعامل معها فقط باعتبارها مطربة عاصرتها واستمعت إليها، وإنما دخلت هذه المرة إلى مساحة أعمق؛ بدأت تبحث في شخصيتها وتحللها وتقرأ تفاصيل حياتها. هل اكتشفت خلال هذا البحث والكتابة جانبًا في شخصية أم كلثوم فاجأك أو جعلك تراها بشكل مختلف عما كنت تعرفها به؟

أكثر ما فاجأني هو أنني أثناء دراسة أم كلثوم والكتابة عنها شعرت أنني توحدت معها. اكتشفت التناقض بين أم كلثوم التي تقف على المسرح وتسيطر بحضورها على الملايين، والإنسانة التي تعود إلى بيتها وتخلع هذه الصورة لتعود إلى نفسها، بضعفها وتعبها ومخاوفها.

هذا الإحساس عبّرت عنه في أغنية «أنا على المسرح واقفة وخايفة»، التي تكشف أن المرأة التي يراها الجمهور عظيمة وواثقة، قد تكون خلف الستار إنسانة تخاف وتتعب وتواجه ضعفها.

ومع قراءتي لكتب كثيرة عن حياتها وتفاصيلها الإنسانية، شعرت بأم كلثوم الإنسانة أكثر من أم كلثوم الأسطورة، وهذا تحديدًا كان من أهم اكتشافاتي أثناء الكتابة.

وبالطبع قرأت عن مرضها، وما كانت تفعله في حياتها اليومية، وعرفت مثلًا أنها كانت تستضيف أحيانًا أشخاصًا من الفلاحين، وكانوا يجلسون عندها، حتى إن الدور الأرضي في فيلتها كان يبدو وكأنه امتداد لقرية طماي الزهايرة.

أم كلثوم.. «ذكاء الفنان» الذي صنع أسطورة لا تنتهي

ما رايك في الأعمال التي تناولت سيرتها من قبل؟

لا أحب أن أقول رأيي في أعمال زملائي. هؤلاء إخواتي وأصحابي، وكلنا نعمل في المجال نفسه. النقاد من حقهم أن يقولوا ما يشاؤون، لكن ليس من الأخلاق أو مبادئي أن أخرج في العلن لأقيّم عملًا بذل أصحابه فيه مجهودًا.

أنا نفسي قد أبذل مجهودًا كبيرًا في عمل ولا يحالفني التوفيق، وهذا وارد لأي فنان. يكفيني أنهم تعبوا وقدموا عملًا.

من خلال بحثك في حياة أم كلثوم، ما أكثر جانب شعرت أنه لم يأخذ حقه في تناول سيرتها، وربما لم يكتشفه الجمهور بالشكل الكافي؟

اكتشفت أن أم كلثوم كانت إنسانة خيّرة جدًا، وهذا جانب لم ينل حقه من التناول؛ فقد كانت تساعد في تزويج بنات قريتها، وساهمت في إدخال الكهرباء والمياه إليها قبل الثورة.

لكنني لم أرد إبراز هذه التفاصيل بشكل مباشر في المسرحية، حتى لا أستجدي مشاعر الجمهور، وإنما فضّلت أن أقدم أم كلثوم كما رأيتها أنا، بكل جوانبها الإنسانية.

بل قدمت جانبًا ربما لا يتوقعه الجمهور، وهو غيرة أم كلثوم من عبد الحليم حافظ، خاصة مع ظهوره كنجم شاب ونجاح أغانيه بين جيل الشباب.

وتخيلت حوارًا بينها وبين أحمد رامي، حين تعترف له بأنها تريد جمهوره، رغم أن الجميع يستمع إليها. هذا الإحساس، في رأيي، يكشف جانبًا إنسانيًا من أم كلثوم، وربما يفسر رغبتها في التجديد والتعاون مع جيل جديد من الموسيقيين، ومنهم بليغ حمدي.

أم كلثوم لم تكن صاحبة موهبة استثنائية فقط، بل استطاعت أن تدير نجوميتها وتحافظ على مكانتها لعقود. إلى أي مدى كان هذا الاستمرار نتيجة ذكائها في إدارة موهبتها؟

أم كلثوم نموذج واضح على أن استمرارية الفنان لا ترتبط بالزمن، وإنما بذكائه وقدرته على إدارة موهبته. فقد استمرت هي وعبد الوهاب حتى النهاية، بينما اختفى فنانون آخرون رغم امتلاكهم أصواتًا وموهبة كبيرة.

وأم كلثوم نفسها تعلمت من تجاربها؛ ففي بداياتها اختارت الحصول على أجر مقطوع عن إحدى أغانيها، ثم اكتشفت أنها كانت ستحقق عائدًا أكبر لو حصلت على نسبة من المبيعات. لكنها تعلمت من التجربة، ولذلك عندما قدمت فيلم «وداد» تفاوضت على أجر أعلى، إلى جانب نسبة من الإيرادات.

وهذا في رأيي جزء من ذكاء الفنان وقدرته على إدارة موهبته واستثمار نجاحه.

وعبد الحليم حافظ أيضًا كان ذكيًا جدًا في إدارة موهبته، لدرجة أن محمد عبد الوهاب شاركه في تأسيس «صوت الفن». ذكاء الفنان جزء من استمرارية موهبته.

وكانت أم كلثوم حريصة على تطوير نفسها ومواكبة الجيل الجديد، وهو ما أتاح لها الاستمرار والتجدد حتى اليوم. ويكفي أن من أكثر أغانيها انتشارًا وتداولًا في جمعية المؤلفين حتى اليوم «ألف ليلة وليلة» و«بعيد عنك»، وهما من ألحان بليغ حمدي.

أحمد رامي.. شاعر أم كلثوم الأقرب إلى الحكاية

بحكم أنك شاعر، ولا شك أن من أمنيات أي شاعر أن يكتب للسيدة أم كلثوم، لكن عندما تناولت الشعراء الذين كتبوا لها، من كان الشاعر الأقرب إليك؟

بطلي في الحكاية هو أحمد رامي؛ لأنني أرى أن أم كلثوم يقابلها في الحكاية شاعر، وهذا الشاعر هو رامي.

وبالتأكيد هناك شعراء كبار كتبوا لها، مثل بيرم التونسي، لكن رامي كان الأكثر ارتباطًا بها عاطفيًا، لأنه كان يكتب لها من حب حقيقي ومعاناة حقيقية، سواء في الهجر أو الحب أو الشوق.

وجدت أن رامي هو الأقرب إلى رؤيتي للحكاية، شاعر يحب مطربة بهذا الحجم.

إلى جانب ذلك، كانت قصة الحب بينهما تحمل مساحة درامية كبيرة؛ فرامي كتب لها أكثر من 400 أغنية ولم يحصل منها على مليم واحد، وفي المقابل كانت زوجته تحبه وتغار من أم كلثوم. لذلك صنعت من هذه العلاقة مثلثًا عاطفيًا معقدًا.

من الكتابة إلى الإنتاج.. مغامرة جديدة

«الست» لم تكن مجرد تجربة كتابة وتأليف بالنسبة لك، وإنما خضت من خلالها أيضًا تجربة الإنتاج بشكل مباشر. ماذا أضافت لك تجربة إنتاج هذا العرض تحديدًا؟ وهل وجدت أن التعامل مع العمل كمنتج، إلى جانب كونك مؤلفه، جعلك أكثر تدخّلًا في تفاصيله واختياراته الفنية؟

سبق أن خضت تجربة الإنتاج، لكن «الست» كانت مختلفة؛ لأنني أنتجت بروح الفنان أكثر من روح المنتج.

كنت أحيانًا أعيد تنفيذ مشاهد أو ألغي أشياء بعد تسجيلها لمجرد أنها لم ترضني فنيًا، وهذا بالطبع كلّفني كثيرًا. لكن نجاح العرض جعل كل ذلك يهون، خصوصًا مع تحقيق «Sold Out» في معظم الليالي وتقديمه خارج مصر.

والأهم بالنسبة لي أنني لم أرفع سعر التذكرة؛ لأنني أردت أن تظل أم كلثوم متاحة للجمهور كله، وليس للنخبة فقط.

وفي النهاية، مكسب «الست» بالنسبة لي لم يكن ماديًا فقط، وإنما الأهم هو المكسب الفني وإحياء المسرح الغنائي من جديد. لذلك أصبحت حريصًا على أن أنتج فقط الأعمال التي أحبها وأؤمن بها.

وهل لديك نية للعودة إلى إنتاج الدراما والسينما إلى جانب المسرح؟

أحاول بالفعل العودة إلى السينما والدراما، لكنني في هذه المرحلة لا أريد أن أنتج إلا عملًا مميزًا يستحق. إذا كان فيلمًا، فيجب أن يكون فيلمًا حقيقيًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

وأنتج حاليًا، إن شاء الله، فيلم المخرجة والكاتبة هالة خليل «بنت الحنة».

وبشكل عام، أريد أن أختار الأعمال التي أحبها وأؤمن بها، سواء في السينما أو الدراما، وأشعر أنها تستحق أن أضع فيها وقتي ومجهودي.

عبد الحليم.. تحدٍ جديد

ذكرت إن خطوتك المقبلة في المسرح ستكون مع عبد الحليم حافظ. كيف ستقدم «حليم» هذه المرة؟

«حليم» مختلف تمامًا عن «أم كلثوم». المسرح يفرض عليك اختزال الحكاية في ساعتين فقط.

كما أن طبيعة الشخصيتين مختلفة؛ أم كلثوم كانت أشبه بالهرم الذي تدور الشخصيات والأحداث في فلكه، بينما عبد الحليم شخصية أكثر ديناميكية وحركة، وما زالت أغانيه حاضرة بقوة لدى الأجيال الجديدة.

لذلك لا أريد أن أكرر تجربة «الست»، وإنما أبحث عن شكل مسرحي جديد ومختلف، يحمل قدرًا أكبر من الإبهار ويتناسب مع طبيعة عبد الحليم وشخصيته.

وبما أنك سبق وقدمت شخصية عبد الحليم في مسلسل، هل يمثل تقديمها من جديد على المسرح تحديًا شخصيًا لك، خصوصًا أنك مطالب هذه المرة بأن تراها وتقدمها من زاوية مختلفة؟

بالتأكيد، هو تحدٍّ شخصي بالنسبة لي، لأنني لا أريد أن أكرر ما قدمته من قبل، وإنما أبحث عن رؤية جديدة تناسب المسرح وطبيعة الشخصية.

نحن حاليًا في مرحلة التحضير، وأعطيت فريق الإنتاج والإخراج مساحة كبيرة ليقدموا رؤيتهم، وقلت لهم: «اللي بتحلموا بيه اعملوه».

المخرج أحمد فؤاد، الذي أخرج «الست»، يتولى إخراج العرض، وهو مخرج شاب وموهوب جدًا. وريم العدل مستمرة معنا في تصميم الملابس، أما باقي فريق التمثيل فما زال في مرحلة الاختيار.

هل ستكرر تجربة الاستعانة بالوجوه الجديدة؟ وما المعيار الأساسي لاختيار من سيؤدي شخصية عبد الحليم غير الشكل الخارجي؟

نعم، سيكون الاختيار في الغالب من الوجوه الجديدة، لكن هذه المرة لن يكون التركيز على الشبه الشكلي بقدر ما سيكون على القدرة على تجسيد الشخصية.

أبحث عن روح عبد الحليم، وصوته، وإحساسه، لأن هذه العناصر أهم عندي من مجرد الشكل.

وبالفعل، هناك شخص في ذهني حاليًا، لكنني أفضل ألا أعلن عنه إلا بعد أن نستقر عليه بشكل نهائي.

حق الأداء العلني.. بين الحقوق والواقع الإنتاجي

أريد أن أنتقل إلى قضية تشغل الوسط الفني حاليًا، وهي «حق الأداء العلني». وبحكم أنك مؤلف ومنتج وفنان، كيف ترى هذه القضية، خصوصًا فيما يتعلق بحقوق الممثل؟

أولًا يجب أن نفرّق بين الحق الأصيل والحق المجاور. وبعيدًا عن أي منصب، أتحدث هنا بصفتي مؤلفًا.

الحق الأصيل يرتبط بصاحب العمل الإبداعي، وفي مقدمتهم الكاتب والمخرج وواضع الموسيقى التصويرية، بينما يندرج الممثل ضمن الحقوق المجاورة.

ومن هنا أطرح سؤالًا بسيطًا: كيف نطالب بالحق المجاور، بينما لا يحصل أصحاب الحق الأصيل على حقوقهم كاملة؟

أنا شخصيًا، كمؤلف، ما زلت لا أحصل على حقوق التأليف بالشكل الذي أراه مستحقًا، رغم أن قانون حماية حق المؤلف يعود إلى عام 1954.

لذلك أرى أن القضية تحتاج إلى فهم ودراسة حقيقية وآلية واضحة للتنفيذ، بعيدًا عن الضجة ورفع الشعارات.

من وجهة نظرك، إذا تم تطبيق حق الأداء العلني، من سيتحمل تكلفته في النهاية؟

عندما تُلزم المنتج بدفع هذه الحقوق، سيضطر غالبًا إلى إعادة حساب تكلفة العمل مع المنصة التي تشتريه، وبالتالي قد ينخفض المقابل الذي يحصل عليه المنتج، أي أن العبء سيعود عليه في النهاية.

وهذا الأمر قد يكون أكثر صعوبة بالنسبة للمنتجين الصغار؛ فهناك من ينتج فيلمًا واحدًا، وإذا لم يحقق نجاحًا قد يخسر شركته بالكامل، بينما يكون الممثل قد حصل بالفعل على أجره.

وفي ظل الظروف الصعبة التي تمر بها السينما المصرية حاليًا، أرى أن فرض أعباء جديدة يحتاج إلى دراسة دقيقة واختيار التوقيت المناسب، وليس مجرد رفع شعارات.

أنا لا أرفض مبدأ الحقوق، لكنني أرى أن علينا أولًا أن نضمن حصول أصحاب الحق الأصيل، وعلى رأسهم المؤلف، على حقوقهم، ثم ننتقل إلى مناقشة الحق المجاور.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى